أجرت قناة عدن الفضائية لقاء تلفزيونياً مع كل من الدكتور سامي محمد قاسم نعمان (رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة عدن)، ود. هشام الصرامي (أكاديمي وخبير اقتصادي)،- والذي تناولت فيه الوضع في مدينة تعز تحت عنوان: -"تعز تحت نيران الحصار: مدينة تحاصر وتقصف في آن واحد".-
بدء اللقاء من قبل -المذيعة أماني بخريبة- الذي قالت ان تعز اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة بل ساحة اختبار لإجرام ميليشيا تحكم الخناق على مئات الآلاف من المدنيين منذ الرابع من أكتوبر، طرق مغلقة وإمدادات مقطوعة وقصف وقنص يطال الأحياء السكنية ويستهدف النساء والأطفال، أوضاع اقتصادية مأساوية ومستشفيات على وشك التوقف ومياه شحيحة وغذاء آخذ في النفاذ. ماذا يحدث في تعز، ومن الذي يتحمل المسؤولية، وإلى أين يمكن أن يصل الوضع الاقتصادي والإنساني إذا استمر هذا الحصار؟
-وكان أبرز المحاور التي تطرق إليها اللقاء على النحو التالي:-
-المحور الأول: الوضع الميداني والإنساني في تعز-
استهلت المذيعة هذا المحور بالقول: -دكتور هشام،- أنت من تعز، دعنا نعرج قبل أن نتكلم اقتصادياً عن الحصار في مدينة تعز وأبرز التطورات التي شهدتها هذه المدينة أو هذه المحافظة خلال الأسابيع الماضية.
-ليجيب الدكتور هشام الصرمي بالقول-: الوضع في تعز مأساوي اليوم؛ الحصار من مختلف الاتجاهات، المدينة لا تمتلك حتى منفذ واحد. كان المنفذ الغربي هو المنفذ الوحيد الذي تتنفس من خلاله المدينة، وكان الطريق وعراً وشاقاً وطويلاً، وتتحمل المدينة تكاليف عالية مقارنة بققية المدن المحررة. ومع ذلك، اليوم التكلفة أصبحت أعلى والمخاطر أعلى والتهديدات أعلى. نستطيع الحديث عن التضحيات في الأرواح، فالمدينة خلال الفترة السابقة قدمت ما يفوق 8000 شهيد وما يزيد عن 35000 جريح. اليوم منذ شهر تقريباً، الشهداء بالمئات، أسر قضت تحت الصواريخ البالستية وقذائف الهاون سواء في الريف أو في المدينة المحاصرة التي يقطنها ما يزيد عن 2 مليون نسمة ما بين ساكن مستقر ونازح خلال فترة الحرب ونازح خلال الحرب الحالية. المخزون الاستراتيجي سواء في الغذاء الجاف أو السائل، أو فيما يخص المشتقات النفطية أو الأدوية، نَفَد مقارنة بما يصل في المتوسط من 330,000 أسرة إلى 400,000 أسرة.
-وفيما كان السؤال الثاني للمذيعة: دكتور هشام، أيضاً كيف يعني يؤمن السكان في مدينة تعز احتياجاتهم سواء كان من الغذاء أو غيره؟-
-أجاب الدكتور هشام الصرمي-: اليوم الحد الأدنى من الغذاء هو ما يدخل إلى المدينة، بمعنى أنه إذا دخل إلى المدينة ناقلتين أو ثلاثة أو أربعة من إجمالي احتياج غذاء جاف يومي يصل إلى 65 ناقلة. الاحتياج الأساسي نستطيع أن ننظر ليس فقط إلى هذا الأمر، بل إلى مستوى الدخل، حتى وإن وجد الغذاء بسعر وصل في التكلفة إلى 300% مقارنة بما كان قبل شهر، فالدخل لا يكفي. في متوسطه داخل الأسرة إذا كان 30 دولاراً، السلة الجافة لوحدها تفوق 55 دولاراً، وبالتالي هناك تكاليف أخرى، هناك تكاليف معيشة سواء كان في الإيجارات أو التنقل، وسائل النقل الارتفاع فيها وصل إلى 300 و400%، ولا يوجد أيضاً وسائل نقل نظراً لانعدام المشتقات النفطية أو الغاز سواء كان للنقل أو غاز الطبخ المنزلي. الوضع مزري ومخيف ويهدد بكارثه إنسانية بالغة.
-المحور الثاني: الخسائر الاقتصادية والآثار المعيشية-
بعدها انتقلت المذيعة لمناقشة المحور الثاني: الخسائر الاقتصادية والآثار المعيشية، متسائلة: -برأيك دكتور سامي-، ما حجم الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها هذه المدينة نتيجة إغلاق الطرق وتعطيل أيضاً طرق الإمداد؟
-ليجيب د. سامي نعمان:- أولاً مساء الخير على الجميع. مدينة تعز هي مدينة ذات كثافة عالية، نعم، كما أنها كانت إحدى المدن الرئيسية التي تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً ومن الحكومة الشرعية. كثير من رؤوس الأموال تنتمي إلى هذه المديرية أو المديريات التي كانت محررة تحت سيطرة الشرعية. الآن الارتفاع الكبير في الأسعار، سواء بسبب الحصار الحوثي أو بسبب الظروف الاقتصادية ومنع الحوثي للمشتقات النفطية وغيرها، تسبب في رفع الثقل على كاهل المواطنين في توفير احتياجاتهم وفي تغطية نفقاتهم.
أيضاً، إن كان في هناك أشارات إيجابية، بعض الإشارات الإيجابية أن المجلس الرئاسي والحكومة لم تتخلى عن تعز رغم حصارها، فما زلنا نجد أن الحكومة والمجلس الرئاسي، رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، ما زال على تواصل دائم مع محافظ محافظة تعز لتقديم الدعم المالي الدائم لمحافظة تعز ومحاولة توفير المتطلبات بالقدر الممكن، سواء المتطلبات الإنسانية أو الاقتصادية.
لا يمكن تحديد الخسائر الاقتصادية بشكل كامل على التي تتحملها المحافظة أو المدينة بشكل أساسي باعتبارها هي مجموعة من المديريات ما زالت الصامدة أمام التوغل الحوثي، ولكن نستطيع أن نقول إنه أصلاً حتى في ما قبل شهر تسعة كانت تعتبر المدينة ومحافظة تعز محاصرة،لاعتبار أن خط هيجة العبد، التربه، أو الصحرب كرب الصحراء، كانت أصلاً طرقاً فرعية وليست طرقاً أساسية، تم توسيعها لفك الحصار عن مدينة تعز بحيث إن الخطوط الرئيسية كانت مقطوعة.
بالتالي كانت تعز تمد أصلاً بالحد الأدنى برضه من احتياجاتها الأساسية. الآن تم إغلاق هذه الخطوط بشكل كبير، وتم محاصرة الحوثيين للمدينه، وتم فرض أيضاً جبايات على دخول بعض السلع مع تحديد كميات، كما قال -زميلي الدكتور هشام،- كميات بسيطة لدخول هذه البضائع والسلع إلى داخل المدينة. لن نستطيع الآن نتحدث عن الخسائر الاقتصادية بشكل كبير، خاصة أنه كل يوم هناك خسائر بسبب القصف الحوثي على المدينة. الخسائر ليست اقتصادية فقط بسبب الحصار، ولكن بسبب أيضاً القصف الحوثي الذي يطال كثير من المدنيين والمنازل والطرقات، وأيضاً بسبب الهجمات بالطيران المسير وغيرها من العمليات.
بالإضافة إلى أنه الآن الكثير من التقارير الواردة من المناطق التي يسيطر عليها الحوثي في بعض المديريات في الحجرية بأنه قام بالاستيلاء على كثير من المعدات والممتلكات الخاصة في المكاتب الحكومية، سواء منظومات الطاقة الشمسية أو المولدات أو حتى بعض أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية، كما أنه قام بمصادره الكثير من ممتلكات المواطنين مثل أجهزة "الستارلينك" وبعض السيارات والآليات ونقل واستخدامها في عملياتها العسكرية. فبالتالي من الصعب حالياً أن نحدد الخسائر التي تعرض لها الاقتصاد أو المواطنين، لأنه لا توجد حتى الآن عملية حصر لهذه الخسائر.
-واستمرت المذيعة في طرح الأسئلة بالقول: دكتور هشام،- ربما الوضع الاقتصادي في تعز شبه منعدم إن صح القول. كيف يتعامل المواطن اليومي مع قوت يومه، وهل أثر هذا الحصار أيضاً على الخدمات الصحية والتعليمية في محافظة أو مدينة تعز؟
-ليرد دكتور هشام-: بكل تأكيد هناك تأثير عالي جداً. إذا ما تحدثنا عن موضوع التعليم، فالتعليم متوقف، والسلطة المحلية تبحث عن حلول للدراسة عبر الإنترنت (أونلاين) وبدأت بعض الحلول من هذا النوع، بينما ما تزال المدارس متوقفة والجامعات أيضاً مغلقة (سواء الحكومية أو الخاصة).
-لتتسأل المذيعة مجدداً: وماذا عن الجانب الحياتي والأمني والمعيشي للمواطنين في ظل هذه الظروف؟-
-فأجاب دكتور هشام:- الحياة تقريباً متوقفة فيما يخص هذا الجانب نظراً لانعدام الأمن، إذ تصل القذائف إلى الشوارع والمنازل، ويعيش الشعب مخاطرة يومية لا يدري من أين يأتيه الموت أو الخطر.
-لتتابع المذيعة-: وما هو وضع الخدمات الصحية في ظل هذا الحصار؟
-وأجاب دكتور هشام-: نعود للحديث عن انعدام الحد الأدنى من مستلزمات المستشفيات، سواء الأكسجين أو المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل الكهرباء في هذه المستشفيات، أو حتى الحد الأدنى من الدواء، فالوضع مزري وصعب للغايه.
وقال إن الوضع أفرز انعكاسات اجتماعية ونفسية بالغة، رغم أن التعاون المجتمعي يمثل صمام أمان، إلا أن الأسر لم تعد قادرة على مجاراة الاحتياجات اليومية في ظل تدني الدخل لمستويات أقل من دولار للفرد الواحد.
وفي ختام هذا المحور -سألت المذيعة: دكتور سامي-، ربما أشرت في حديثك عن الدعم الذي تقدمه الحكومة، هل الدعم الحكومي اليوم كافي لإنقاذ هذه المدينة المحاصرة من قبل ميليشيا الحوثي الإرهابية؟
-وأجاب د. سامي نعمان:- الدعم لا يأتي فقط من الحكومة، الدعم يأتي من الحكومة ومن منظمات المجتمع المدني، ومن التجار، ومن المواطنين، ومن الأحزاب السياسية والمكونات السياسية في جميع أرجاء الوطن. لكن المشكلة الرئيسية هي ليست قلة الدعم، ولكن كيفية إيصال هذا الدعم المالي وتحويله إلى دعم سلعي ودعم إغاثي إلى المدينة المحاصرة. نعم، يعني حتى إذا توفرت لدينا الأموال، أين السلع التي سنستطيع الحصول عليها بهذه الأموال؟ مثلاً، كما قال الدكتور هشام، الاحتياجات الطبية الآن؛ كثير من المستشفيات في محافظة تعز تعاني من نقص كثير من المواد الطبية اللازمة لمعالجه المرضى وحتى الجرحى بسبب القصف أو المواجهات العسكرية. حتى إذا توفرت لدينا الأموال، في ظل الحصار ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، لن تفيد هذه الأموال، ولكن هذا يعتبر نوعاً من الدعم المعنوي والدعم والنفسي.
-المحور الثالث: السيناريوهات المتوقعة ومعالجة الحصار-
فيما ناقش المحور الثالث: السيناريوهات المتوقعة ومعالجة الحصار، حيث قالت المذيعة: -دكتور سامي-، في حال استمرار أو عدم إيصال أو إغلاق هذه المدينة دون تدخل دولي فاعل، ما هي السيناريوهات المتوقعة برأيك؟ أبدأ معك دكتور سامي، -وأرجع أيضاً بنفس السؤال إلى الدكتور هشام-: برأيك ما هي السيناريوهات المتوقعة؟
-فأجاب د. سامي نعمان:- لنكن واضحين، تعز ليست أول مرة تحاصر، حوصرت في 2015 وقاوم أبنائها وابطالها حتى فكوا الحصار. صحيح أبناء تعز تعودوا على أنهم يتغلبوا على الصعاب، وأصبحوا نموذجاً لكل الأبطال في كافة الجبهات، وأصبح كافة الجبهات عندما تحرر منطقة أو يعني تنتصر، تهدي هذا الانتصار إلى صمود أبناء تعز. أبناء تعز لديهم القدرة، لنكن واضحين، إنه في 2015 كان الحصار على محافظة على مدينة تعز أشد من الحصار الآن. ولذلك أنا أعتقد أن هناك خططاً قد أعدت بالفعل لم يتم الإعلان عنها لمواجهه هذا الحصار. طبعا ما زالت هناك آثار سلبيه وكارثيه على تعز وعلى مدينة تعز بسبب الهجوم الحوثي والحصار الحوثي، ولكن أنا مؤمن بأنها تستطيع مدينة تعز الصمود، وأن لديها خططاً لمواجهه هذا الحصار اقتصادياً وعسكرياً.
-فيما كانت إجابة (د. هشام الصرمي)- الذي قال إن المدينة تحتاج إلى دعم فعلي وعسكري عاجل من الخارج لفك الحصار. التحويلات المالية تكاد تكون منقطعة وعمولات التحويل مرتفعة للغاية والبنوك تعاني من ممارسات الميليشيات. بيانات الإدانة الدولية لا تفي بالغرض، ويجب أن يكون هناك تحرك عاجل وحقيقي بالتنسيق مع التحالف والحكومة اليمنية لإنهاء مأساة تعز التي تمثل صمام أمان للمحافظات المحررة.
-وبعدها اختتمت المذيعة قائلة:- تعز اليوم لا تواجه الحصار وحده بل تواجه الحصار والقصف معاً، طرق مغلقة، وإمدادات مقطوعة، وغذاء يتضاءل، ومدنيون يواجهون الموت بالقنص والقذائف داخل أحياءهم السكنية.
تتوالى التحذيرات الدولية، لكن معاناة المدنيين تتفاقم، والمسؤولية لا تحتمل التأويل، تقع على عاتق من يفرض الحصار ويواصل استهداف الأحياء السكنية ويحول حياة الناس إلى معركة يومية من أجل البقاء.
لم يعد الصمت مقبولاً، ولم تعد بيانات الإدانة كافية. فك الحصار، وفتح الطرق، وحماية المدنيين ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية عاجلة قبل أن تنزلق تعز إلى كارثه إنسانية يصعب احتواء تداعياتها.