تشهد العشر الأواخر من شهر رمضان في اليمن حضوراً روحياً وشعبياً لافتاً، حيث تمثل هذه الأيام ذروة الموسم الديني السنوي الذي تتجلى فيه مظاهر التعبد والارتباط المجتمعي، وسط طقوس متوارثة تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تتفق في تعظيمها لقدسية الشهر الفضيل.
وتبرز هذه الفترة باعتبارها موسماً سنوياً لعودة المغتربين إلى مناطقهم الأصلية، للمشاركة في الأجواء الرمضانية، وتعريف أبنائهم بعادات المجتمع المحلي، بما يعزز الروابط الأسرية ويعيد إحياء الموروث الثقافي..
طقوس الختم في تهامة.
في مناطق تهامة غربي اليمن، الممتدة من سواحل حجة شمالاً إلى باب المندب جنوباً، تنطلق فعاليات ختم القرآن مع منتصف الشهر تقريباً، وتحديداً من ليلة الخامس عشر من رمضان، حيث يحرص أئمة المساجد على ختم المصحف خلال صلاة التراويح، بواقع جزء يومياً.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على المساجد، إذ تنتشر حلقات التلاوة داخل المنازل ودواوين الأحياء (المبارز)، حيث يجتمع الأهالي لقراءة القرآن، ويحددون موعداً للاحتفال بختمه وفق تقاليد متوارثة.
وتتحول مدن تاريخية مثل زبيد إلى ما يشبه “موسم قرآني” متكامل، حيث تشهد بعض الليالي إقامة عدة ختمات متزامنة في عدد من المساجد، في مشهد يعكس عمق الارتباط بالقرآن الكريم.
ويتميز مسجد الأشاعر التاريخي في زبيد بخصوصية فريدة، إذ تقام فيه ثلاث صلوات تراويح متتالية يومياً بثلاثة أئمة، ما يؤدي إلى ثلاث ختمات منفصلة، لتلبية احتياجات المصلين من مختلف الفئات.
“عرس القرآن” وعادات الاحتفاء
تُوصف ليلة ختم القرآن في تهامة بأنها “عرس قرآني”، حيث تُهيأ المساجد والمنازل لاستقبال المصلين، وتُقدم الضيافة التقليدية التي تشمل البخور والعطور والحلويات المحلية مثل “البندري” و“القرازيع”، إضافة إلى السمسم والقهوة بالزنجبيل.
ويتم توزيع هذه المأكولات عقب دعاء ختم القرآن وقراءة “خطبة قاف”، تليها أناشيد وداعية للشهر الكريم تعرف بـ“الوترية”، في أجواء تجمع مختلف الفئات العمرية وتعكس روح التكافل الاجتماعي.
حضرموت.. تنوع في الطقوس
في محافظة حضرموت شرقي البلاد، تختلف أنماط الختم، حيث لا توجد طقوس موحدة، لكن غالبية المساجد تبدأ ختم القرآن منذ بداية رمضان، مع قراءة جزء يومياً خلال التراويح، واستكماله في صلاة التهجد خلال العشر الأواخر.
وفي مدينة المكلا، تتحول ليالي الختم إلى مهرجان اجتماعي واسع، حيث يتبادل الأهالي الدعوات، وتقام التجمعات في المساجد وسط حضور كثيف للأطفال، مع توزيع الحلوى والمشروبات.
ويختتم الموسم بخروج جماعي للأهالي مرددين أناشيد دينية، في مشهد احتفالي يعكس الطابع الشعبي للمدينة، ويتخلله أداء رقصات فلكلورية وأهازيج تراثية.
تريم.. “ليلة الجائزة”
وفي مدينة تريم، تُعد ليلة التاسع والعشرين من رمضان، المعروفة بـ--“ليلة الجائزة”--، ذروة هذه الطقوس، حيث تتحول بعض المساجد التاريخية إلى وجهات لحشود كبيرة من المصلين القادمين من مختلف مناطق وادي حضرموت.
ويبرز مسجد المحضار كأحد أهم هذه المعالم، إذ يُعد من أقدم المساجد التي تشهد تقليد ختم القرآن منذ قرون، ما يمنحه مكانة دينية وتاريخية خاصة.
وتشهد هذه الليلة توافد آلاف المواطنين، في مشهد يوصف أحياناً بـ“الحج المحلي”، في دلالة على عمق الارتباط الروحي والاجتماعي بهذه المناسبة.
حضور اجتماعي وثقافي متجدد
تعكس طقوس ختم القرآن في اليمن تداخلاً فريداً بين البعد الديني والموروث الثقافي، حيث تتحول المساجد والأحياء إلى فضاءات جامعة تعزز روح التضامن، وتمنح العشر الأواخر طابعاً استثنائياً في وجدان اليمنيين، داخل البلاد وخارجها.