لم أكن أريد الموت، لكن قلبي ارتجف بلا توقف، وأصبحت أنفاسي قصيرة، كأن العالم كله ينهار من حولي.
كنت أريد فقط أن يتوقف الألم، شعور يقفز من صدري بلا سابق إنذار.
في مراهقتي، كان جلدي يبدو كأنه لا ينتمي إليّ، كقماش ممزق على لوحة لم يُكتمل رسمها.
وكأن قلبي فيه فراغ لا تُملأه الكلمات، ولا يمكن لأي قلم أن يرسمه.
كنت أبحث عن أي أداة، لا لأجرح نفسي… بل لأرى شيئًا حقيقيًا يخرج مني،
شيئًا يُثبت أنني ما زلت أشعر… شعور يقطع أنفاسي ويجعل يدي ترتجف، كأنها فرشاة تلمس لوحة مليئة بالظلال غير المكتملة.
وفي تلك اللحظة، تسارع النفس، ارتعاش جسدي، عصفوري خرج من القفص ولم أعرف كيف أعيده.
سبع غرز في يدي اليسرى، فتحة كبيرة تحمل كل ما عجز لساني عن قوله، لكن الألم كان في الروح أكثر من الجسد.
تعلمت أن الأكمام الطويلة لم تكن مجرد قماش، بل درع يحمي روحي من الأسئلة والعيون التي لا تفهم،
وكل خيط فيها كخطوط على لوحة حياتي، يحفظ داخلي من الفوضى والجرح.
كل ندبة كانت ضربة فرشاة على لوحة حياتي، تصنع من الألم جمالًا صامتًا.
القميص الرمادي
لم يكن اللون رماديًا في ذلك اليوم، بل ظلّ ثقيل وكأن الغرفة نفسها تتنفس صمتًا يختلط بالهواء.
جسدي ارتجف، وكأن شيئًا غير مرئي يلامس روحي فجأة، يذكّرني بكل لحظة خوف صمت فيها قلبي.
الجرح لم يكن مجرد شقّ في الجلد، بل صوت داخلي لم يُسمع، فُتح ليكشف ما حاولت دفنه سنوات.
كأن كل نزف صغير على يدي كان يترك أثرًا على لوحة حياتي، خطوطًا سرية من الألم والصراع الداخلي.
القميص الرمادي امتص لونه من اللحظة، كأنما يحمل جزءًا من حكاية روحي، صامتًا لكنه حاضر في كل حركة.
كل مرة أرتدي فيها أشياء تغطي يدي، أشعر بالأمان ليس فقط من نظرات الآخرين،
بل من نفسي، من تلك اليد التي تعلمت أن تحمي نفسها، ومن الصغيرة داخلي التي أصبحت أكثر وضوحًا وقوة.
القوة ليست في إخفاء الجروح، بل في التعلم من الألم، وفي قدرة المرء على الوقوف مجددًا، حتى لو ارتجفت الأنفاس واليد.
كل ندبة وكل لحظة خوف صامتة أصبحت جزءًا من لوحة حياتي،
لوحة لم تُكتمل بعد، لكنها تحملني نحو النجاة، نحو القوة، نحو نفسي التي اخترت أن أحبها كما هي.
الحوار الداخلي
“أنتِ الصغيرة داخلي… كنتِ خائفة، وحيدة، تظنين أن الدم سينقذك.”
أسمع صوتها في قلبي، وكأن أنفاسي تتزامن مع كلامها،
وكأن كل كلمة منها تترك ضربة فرشاة على لوحة حياتي، تصلح ما تهشم.
أبتسم، وأجيبها بصمت:
“لم يكن الدم الحل، لم يكن الخوف رفيقي. لكنك نجوتِ.”
كل مرة تتحدث فيها، أشعر بالقوة تعود إليّ، كما لو أن يدي تلمس الخيوط التي تربط بين الألم والإصلاح.
تعلمت أن أحتضن الصغيرة داخلي، أن أستمع لها، وأعلمها أن اليد التي جرحتها كانت أيضًا اليد التي تصلح نفسها.
النجاة ليست صدفة… بل اختيار، وفنّ، وصمت يتكلم بصوت أعلى من أي جرح،
وكل ندبة أصبحت ضربة فرشاة أخيرة على لوحة حياتي، تصنع من الألم جمالًا صامتًا.
أنا التي بقيت
لم أمت، وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا.
كنت أظن أنني أضعف من الألم، لكنني كنت أصغر من فهمه.
اليوم، أنظر إلى يدي اليسرى , الندبة التي حاولت يومًا أن تكون نهاية
فأراها بداية، لوحة لم تُكتمل بعد، ولكني أستطيع الآن أن أرسمها بما أريد.
الحقيقة الصادمة ليست أنني جرحت نفسي، بل أنني عشت سبع سنوات كاملة وأنا أقاتل في صمت، وأبتسم في الصور، وأقول "أنا بخير".
لم يكن أحد يعلم… ولا أحد يعلم حتى الآن.
أنا المرأة التي تحمل سرًا تحت أكمامها، لكن لم تعد تخجل منه.
فالسر لم يعد ضعفًا… بل شهادة نجاة، لوحة من الألم والحياة.
تعلمت أن الألم لا يُقتل بالدم، بل يُفهم بالكلام.
تعلمت أن الصغيرة داخلي لم تكن مريضة، كانت فقط تحتاج أن تُسمَع.
إن كانت هناك فتاة الآن تخفي جروحها وتعتقد أن لا أحد سيفهمها…
أريد أن أقول لها:
أنتِ لا تريدين أن تموتي.
أنتِ تريدين أن يتوقف الألم.
لا تؤذي جسدكِ ليصرخ بدلًا عنكِ. صوتك يكفي.
أما أنا… فقد اخترت أن أبقى، واخترت أن أحب يدي كما هي، واخترت أن أعيش.
هذه يدي… وهذه قصتي… واللوحة لم تنتهِ بعد.