لم تأتِ دعوة التعبئة العامة من فراغ، بل جاءت لتلحق بشعبٍ سبقها إلى الجبهات.
فمنذ الانقلاب، نظّم اليمنيون أنفسهم في مقاومةٍ شعبية، في تعز ومأرب وعدن وغيرها، وكان لها شرف التحرير قبل أن تكتمل مؤسسات الدولة.
وكانت تعز، ولا تزال، شاهدًا على رفضٍ قاطع لأن تحكم جماعة الحوثي الشعب اليمني.
وهذا حقٌّ ينبغي أن يُثبَت لأهله، لا أن يُنسى.
وفي المعركة الأخيرة عاد المشهد نفسه:
في قرى تعز وعزلها، وفي الساحل، خرج رجالٌ دون أن يستدعيهم أحد، دفاعًا عن الأرض والعِرض، ورفضًا لأن يصير بقاء الفئة الباغية أمرًا واقعًا في جمهوريتهم.
خرجوا بدافع الواجب، لكن كثيرًا منهم خرجوا بلا إطار ولا غطاء يحفظ حقوقهم.
وليس في الدعوة ما يعني أن الشعب لم يتعبأ بعد؛ فالتعبئة قائمة قبل أن تُعلن،
يواجه فيها الأهالي الحوثي بما يملكون، قبل أن يصل الجيش، وقبل أن تصل الدولة.
فالدعوة لا تُنشئ التعبئة، بل تعترف بها، وتنقلها من نخوة الأهالي إلى مسؤولية الدولة.
المواطن سبق الدولة إلى الميدان،
وجاء دور الدولة لتؤطّر إرادته لا لتستبدلها.
والدستور يضع طرفي المعادلة بوضوح:
فالمادة (60) تنص على أن الدفاع عن الدين والوطن واجب مقدس، والخدمة العسكرية شرف، وخدمة الدفاع الوطني ينظمها القانون.
والمادة (37) تنص على أن التعبئة العامة تُنظَّم بقانون، ويعلنها رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب.
كما تضمن المادة (56) الضمانات الاجتماعية، وبصفة خاصة لأسر الشهداء.
الواجب على المواطن، والتنظيم والضمان على الدولة.
وقد أدّى المواطن ما عليه.
ولهذا نطالب بما لا يحتمل التأجيل:
دعوة مجلس النواب إلى دورة غير عادية، كما تجيز المادة (74) في حالات الضرورة، لاستكمال الإطار القانوني للتعبئة العامة والموافقة الدستورية اللازمة لإعلانها؛
ثم قرارات تنفيذية تحدد آليات الالتحاق، وحقوق الملتحقين وواجباتهم.
فالبرلمان الذي يُطلب من الناس أن يضحّوا باسمه، لا يليق به أن يغيب عن إقرار الإطار الذي ينظم تضحيتهم.
وللتنفيذ الناجح بعد ذلك ثلاثة أركان:
ماليًا: مخصصات واضحة لرواتب المستنفرين، ورعاية الجرحى، وحقوق أسر الشهداء؛ فالنفير بلا تمويل وعدٌ مؤجل.
تنظيميًا: مراكز استقبال معروفة، وسجلات موحدة، وقيادة ميدانية واضحة يُلحق بها كل مستنفر.
شعبيًا: أحزاب تصدر بيانات تأييد واضحة وتحرّك قواعدها في إطار القانون، لا صمتٌ ينتظر اتجاه الريح، ومجتمع مدني يسند ويحشد.
فحين تطلب الدولة من المواطن أن يحمل مسؤولية الدفاع عنها، تصبح مطالبة بأن تحمل مسؤوليتها تجاهه:
ألا يُترك مقاتلٌ بلا سند، ولا شهيدٌ بلا حق، ولا جريحٌ بلا رعاية.
والفرصة لا تكتمل بامتلاك القدرة،
بل بتحويلها إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى دولة.
أما اختبار هذه الدعوة الحقيقي،
فسيكون في سرعة انتقالها من الخطاب إلى الفعل.
وللمقاتل الذي سبق الجميع نقول:
أنت لم تذهب وحدك.. والدولة الآن تفتح لك الطريق.
هذه المرة، المطلوب ألا تسبق إرادةُ الناس قرارَ الدولة،
ولا أن يتأخر قرارُ الدولة عن إرادة الناس.
#التعبئة_العامة #سبتمبر_يجمعنا