عشية النكبة: اتصالٌ يقول إن اليمن ليس ممرّاً مائياً

قبل 59 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في 21 سبتمبر لا أستعيد ذكرى، ولا أحتفل بتاريخ؛ بل أعلن موقفاً حازماً: هو يوم حداد على اليمنيين. حداد على دولة اقتُحمت، ومؤسسات سُلبت، وشعب أُخضع للقتل والتجويع والنزوح والحصار اثني عشر عاماً عجافاً. وسيبقى كذلك حتى تنقشع الغمة، ويزول الانقلاب، وينال المسؤولون عن الجرائم جزاءهم المستحق. لن يجعلنا الزمن نتصالح مع النكبة، ولن تحُول التفاهمات التكتيكية المؤقتة دون تسمية الأشياء بأسمائها أو إسقاط الحق بالتقادم.


وفي عشية هذا اليوم تحديداً، جاءت مكالمة تتجاوز حدود الشكل لتكشف جوهر المرحلة القادمة.


بحسب أربعة مصادر تحدثت إلى "رويترز"، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأحد، اتصالاً برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، بحثا خلاله التطورات قرب باب المندب والدعم المطلوب للحكومة الشرعية. ورغم محاولات بعض الوسائل الإعلامية تسويق الاتصال على أنه خالٍ من التعهدات، أو المراهنة على تفاهمات واشنطن والحوثي، فإن القراءة الحقيقية للمشهد السياسي والعسكري والتوقيت تقودنا إلى الاستنتاج الأعمق: نحن أمام ترتيبات كبرى لساعة حسم دنت، ولا تحتمل الإفصاح ربما.


إن عدم صدور بيان رسمي مفصل، والتكتم الذي طبع هذا الاتصال، ليس عجزاً ولا بروداً؛ بل هو منطق إدارة المعارك الفاصلة. حين تكون القوات مجهزة داخلياً، والترتيبات الإقليمية مكتملة، والغطاء السياسي الدولي في طور اللمسات الأخيرة، يصبح الصمت هو الغطاء الوحيد الممكن للحفاظ على عنصر المباغتة والمفاجأة. إعلان التفاهمات وتفاصيل الدعم العسكري في الإعلام كان سيعني كشف المستور قبل أوانه، وسيتعارض مع التصريحات السياسية اليومية التي تسعى لتنويم الميليشيا وإبقائها في وهم "التفاهمات البحرية".


إن المشهد الميداني والسياسي يشي بأن الشرعية والتحالف لا يخوضان اتصالات عابرة، بل يضعان العالم أمام التزاماته الصريحة. واشنطن التي صنفت الحوثي جماعة إرهابية، والقرارات الدولية التي جردت الانقلاب من أي شرعية، أصبحت اليوم أمام لحظة الحقيقة. التذكير بمواقف أمريكا والدول الكبرى ليس استجداءً للدعم، بل وضعٌ للجميع تحت طائلة المسؤولية التاريخية؛ فإما حماية الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها، وإما التسليم بميليشيا تهدد الملاحة والاستقرار العالمي إلى الأبد.


فالذي يظن أن اليمن مجرد مضيق أو ميناء أو طريق نفطي يقرأ الجغرافيا وينسى الإنسان والأرض. ورغم أن كثيراً من السياسيين والجمهور الأمريكي قد لا يعرفون عن اليمن إلا القليل، فإن الفلاح والمواطن اليمني البسيط أضحى يمتلك حساً سياسياً واستراتيجياً ثاقباً من واقع وجعه؛ يقرأ تحركات البحر الأحمر ومواقف واشنطن وطهران، ويدرك بوعيه الفطري أن القوات الجاهزة والإمكانات التي لم تُختبر بعدُ في معركة شاملة، هي القادرة وحدها على كسر الهيمنة وتغيير المعادلات.


لقد علمتنا تجربة السنوات أن الغطاء الدولي مهم، لكنه لا يعوّض الإرادة والقرار الداخلي. واليوم، والصفوف تُعاد هيكلتها والجبهات تُستنهض، فإن الرسالة الموجهة من رأس الشرعية إلى البيت الأبيض تصب في قالب واحد: أمن باب المندب لا ينفصل عن أمن اليمن، والاستقرار الدولي يمر حتماً عبر بوابة استعادة الدولة اليمنية المخطوفة.


في 21 سبتمبر، لا نطلب من العالم أن يتذكر اليمن بدلاً عنا؛ بل نؤكد له أن خلف الممر المائي شعباً لا ينكسر، وخلف البحر دولةً قادمة لاستعادة مكانتها، وخلف النكبة وطناً أعدّ العدة وتهيأ ليوم الخلاص والجزاء المستحق.