الصبيحة... حين تتكلم الأرض، وتكتب التضحيات تاريخ الرجال

قبل 48 دقيقة


د. محمد سعيد الزعوري
بقلم: د. محمد سعيد الزعوري
ارشيف الكاتب

الصبيحة ليست اسمًا يُقال، ولا بقعةً يُشار إليها على خارطة العالم؛ بل هي تاريخٌ وذاكرةٌ حيّة، تختزنها أمواج البحر العربي وخليج عدن، وتتجذّر في جبال خرز والأغبرة والمحاولة وكهبوب وباب المندب، وتمتد عبر سهولها ووديانها حتى شواطئها البكر في رأس العارة وخور العميرة والنابية.


إنها السياج الواقي لبوابة الجنوب الغربية؛ فإذا هبّت رياح المحن ودنت المخاطر، نهضت جبالها، وتكلّمت حجارتها، واستيقظت عزائم رجالها، تقاوم بإرادة لا تنكسر، وثباتٍ يقهر المستحيل.


ومن هنا تبدأ الحكاية؛ حيث تصافح الجبال زرقة السماء، وتلامس أمواج البحر شواطئها، وتحفظ الوديان وقع خطى الرجال، وتؤرّخ لمواقفهم وهم يصنعون المجد بثباتٍ لا تهزّه مغامرات الأعداء. هناك، حين يتجلّى غضب الرجال وعنفوانهم، تتبدد المخاطر كسحابة صيف، وكأن الأرض تعرف أبناءها واحدًا واحدًا؛ تحفظ أسماءهم، وتحتضن دماء شهدائها، وتضمد جراح من عاد إليها جريحًا، وتمنح وفاءها لمن ظلّ واقفًا يحرس حدودها بعينٍ لا تنام.


في الصبيحة، تقاتل الحجارة مثلما يقاتل شبابها الذين استرخصوا حياتهم في الذود عنها، تحت راية الجنوب. وللوطن ذاكرةٌ لا تنسى؛ تحفظ المواقف، وتسجّل بأحرفٍ من نور سفر البطولات ومآثر الأبطال. إنها جنوبية الهوى والهوية، حرّةٌ أبية، لا تقبل الوصاية، ولا تنسى من خذلها.


يا بوابة الجنوب الغربي...


يا أرضًا إذا اشتدت المحن، أخرجت من سمرة جبالها رجالًا «إن أمروا المجدَ استجاب». وكيف لا، وهي التي أنجبت الرؤساء والقادة، ومنحتهم قوة صخورها، وقسوة مناخها، وسمرة جبالها، وصفاء بحرها، حتى صار ترابها جزءًا منهم؛ ولسان حالهم يصدح بالعهد الذي لا يخون:


«عهد الرجال للرجال»... وقد صدقوا.


من كرش إلى طور الباحة إلى المضاربة، تمتد ملحمة الصمود على سفوح الجبال وبين الشعاب؛ قصة رجالٍ جعلوا من مواقعهم المتقدمة خنادق للثبات، ومن ليالي المرابطة في الثغور صفحاتٍ من الوفاء، كُتبت فصولها بالتضحيات.


وفي مقدمة هؤلاء رجال القوات المسلحة الجنوبية، الذين يواصلون أداء واجبهم في حماية الأرض والذود عن حياض الجنوب، ويجسّدون في مواقعهم المتقدمة معاني الانضباط والشجاعة والثبات، تحت راية الوطن، لتبقى أرض الجنوب مصانةً وأهلها آمنين.


من العاصمة عدن، قلب الجنوب، ومن لحج مهد الثورة ومنطلق الثوار، ومن الضالع قلعة الصمود، وأبين البأس، وشبوة بوابة النصر، ومن حضرموت التاريخ، والمهرة الشموخ، وسقطرى الإباء، ومن كل شبرٍ من أرض الجنوب العربي، تتلاقى الإرادات وتتدفق التضحيات في ملحمةٍ تجسّد روح الهوية الجنوبية، وتروي قصة وطنٍ يضمد جراحه، ويمضي بإرادةٍ لا تنكسر نحو الحرية والاستقلال.


فتتلاقى أفراحه وأحزانه تحت سماءٍ واحدة، وتبقى دماء أبنائه جزءًا من ذاكرةٍ حيّة، تملأ القلوب أملًا، وتزرع في النفوس وعدًا بغدٍ أكثر أمنًا وكرامة.


سلامٌ على كل شهيدٍ وُوري الثرى، فصار الثرى شاهدًا على طهر تضحياته، وروحه في رحاب جنان الخلد التي وعد الله بها عباده الصالحين.


وسلامٌ على كل جريحٍ يحمل في جسده أثر المعركة، وفي قلبه حكاية وطنٍ ذاق مرارة الغدر والخيانة، وتحمّل قسوة الحرب وتداعياتها.


وسلامٌ على كل أسيرٍ قست عليه ظروف المعركة، وما زالت الحرية تسكن عينيه، ينتظر يوم الخلاص، مؤمنًا بأن للحرية موعدًا لا يخلفه الله.


أيها المرابطون في الجبهات، لكم من شعب الجنوب كل التقدير والوفاء؛ أنتم حُرّاس الأرض وسند الوطن، تبذلون أرواحكم في سبيل صون ترابه وكرامته، وتكتبون بتضحياتكم صفحاتٍ من البطولة والفداء، ليبقى الوطن عزيزًا مصانًا.


فيا صبيحة، يا أمَّ الحكايات في الماضي والحاضر، سيبقى اسمك محفورًا في ذاكرة الجنوب العربي؛ لا بالحبر وحده، بل بالتضحيات والدماء الطاهرة التي قُدّمت عند ثغورك المنيعة، وبدموع الأمهات، وصبر الجرحى، وأرواح الشهداء الذين نحتوا أسماءهم في سفر الخالدين.


المجد للشهداء،

والشفاء للجرحى،

والحرية للأسرى والمعتقلين،

والنصر للجنوب العربي.


«يا جنوب... لك العمر ما بقينا»


د. محمد الزعوري

18 سبتمبر 2026م