اليمن أمام المعركة الفاصلة قمة قرار الحسم وتوحيد المسار واستعادة الوطن

قبل 37 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

تمر اليمن اليوم بلحظة فارقة لا تشبه ما سبقها من مراحل الصراع. فالمواجهة لم تعد مجرد جولة جديدة في الحرب مع الحوثيين، وإنما باتت تتصل بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وأمن المملكة العربية السعودية والمنطقة. وما جرى أخيرًا على الساحل الغربي، من فقدان مواقع واسعة وما كان فيها من أسلحة ومعدات، بعضها تُرك للعدو، يفرض مراجعة جادة لا يجوز اختزالها في خلل ميداني عابر. فإذا كانت مساحات بهذا الاتساع قد خرجت من السيطرة دون مقاومة تتناسب مع حجم القوات والإمكانات الموجودة فيها، وما ترتب على ذلك من ترك أسلحة ومعدات للعدو، فإن الأمر يستوجب التحقيق والمساءلة، وطرح أسئلة أعمق حول الجاهزية والقيادة والإمداد ووحدة القرار.


ولا ينبغي أن تنحصر المعالجة في استعادة موقع هنا أو جبهة هناك، ثم العودة إلى إدارة الأزمة بالطريقة ذاتها. فإذا ثبت اتساع الخلل، فإنه يحتاج إلى معالجة في أسبابه وبنيته، وإلى مراجعة شاملة تعيد للقوات المسلحة قدرتها على المبادرة والحسم. ومن هنا تأتي الحاجة إلى الاستنفار والتعبئة الوطنية وتوسيع دائرة الإسناد، لا بوصفها بديلًا عن الجيش، وإنما دعمًا له وحشدًا لكل الطاقات القادرة على تعزيز مهمته في استعادة الدولة.


ولم تعد خافية حقيقة أن اليمن أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح وأجندات إقليمية متعددة، وأن التنافس بين بعض الدول أخذ، في مراحل معينة، أبعادًا أكثر حدة، انعكست على تماسك القوى المناهضة للحوثي وعلى وحدة القرار السياسي والعسكري. كما أن استمرار تعدد مراكز النفوذ وتباين الأولويات لا يخدم استعادة الدولة، بل يشتت الجهد الوطني، ويمنح الخصم فرصة لاستثمار التناقضات وإعادة ترتيب صفوفه. ولذلك بات من الضروري أن تتقدم المصلحة اليمنية وأولوية استعادة الدولة على سائر الحسابات، وأن تُوجَّه مختلف الجهود نحو هدف وطني واضح، بعيدًا عن أي تجاذبات أو حسابات تتجاوز المصلحة اليمنية.


لهذا، فإن اللحظة تحتاج إلى قمة قرار تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة الحسم. ومن هنا أقترح لقاءً حاسمًا وفاصلًا بين ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي؛ لقاءً لا يكون بروتوكوليًا، وإنما قمة قرار تُوضع فيها صورة اليمن كما هي، وتُحدَّد فيها الأولويات والأهداف والوسائل، ويُعاد من خلالها ترتيب الجهد السياسي والعسكري والأمني في إطار رؤية واضحة، عنوانها الأول: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، لا إدارة الانقسام، ولا الارتهان لمسارات تسوية وخرائط طريق تجاوزها التصعيد الحوثي باستهداف الأعيان المدنية في اليمن والمملكة، وما ترتب على ذلك من اتساع نطاق الخطر وتجاوز آثاره حدود الساحة اليمنية.


وعلى أساس ما يُتفق عليه في هذا اللقاء، ينبغي أن تُقاس المواقف والسياسات والأداء في مختلف المؤسسات الرسمية والشعبية، وفي جميع التشكيلات العسكرية الموجودة على الأرض، وأن يكون الالتزام بالهدف الوطني الجامع معيارًا واضحًا في تقييم المواقف والجهود. فالمطلوب اليوم ليس إدارة التناقضات ولا الاكتفاء بتجديد الالتزامات في الخطاب، وإنما توحيد الجهود وترجمتها إلى أفعال ومواقف على الأرض، بحيث تتجه جميعها نحو غاية واضحة: استعادة اليمن دولته ومؤسساته وإنهاء الانقلاب، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة للمشاريع والصراعات الإقليمية.


وتتضح خطورة المرحلة بصورة أكبر مع إعلان المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، في 15 سبتمبر 2026، اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة، بعد اعتراضها جنوب مكة، واعتبار الحادثة المحاولة الثانية لاستهداف مكة، عقب واقعة الصاروخ الباليستي في يوليو 2017. وهذا ليس مجرد تطور في مسار المواجهة داخل اليمن، بل مؤشر على اتساع نطاق الخطر الذي بات يتجاوز الساحة اليمنية ويمس أمن المملكة والمنطقة.


ومن هنا، فإن مواجهة الخطر لا ينبغي أن تقتصر على اعتراض الصواريخ والمسيّرات بعد إطلاقها، وإنما يجب أن تتجه إلى معالجة أصل المشكلة، واستعادة الدولة اليمنية القادرة على حماية أرضها ومنع استخدامها منصةً لاستهداف الجوار والممرات الحيوية. وهذا ما يجعل اللقاء المقترح بين القيادة السعودية والقيادة اليمنية أكثر إلحاحًا، إذا أريد الانتقال من ردود الأفعال إلى رؤية مشتركة للحسم واستعادة الدولة.


لكن الدولة لا تستعيدها الجيوش وحدها؛ فالمعركة الوطنية تحتاج إلى مجتمعها وكفاءاته وطاقاته. ومن هنا، فقد حان وقت عودة اليمنيين من القادة العسكريين وقادة المقاومة والسياسيين والنشطاء وسائر القادرين في الخارج إلى وطنهم، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه وخبرته، للمشاركة في معركة الدولة وإسناد قواتها المسلحة والمساهمة في استعادة مؤسساتها. ومن لا يستطيع المشاركة في الميدان، فمجالات الإسناد واسعة: بالمال والخبرة والإعلام والعمل الإنساني، ودعم أسر الشهداء والجرحى، ورفع معنويات المقاتلين، ومواجهة الشائعات، والإسهام في كل ما يعزز تماسك الجبهة الوطنية.


إنها لحظة اختبار حقيقية للقيادة والقوات المسلحة والقوى السياسية والمجتمع كله. فالمعركة الفاصلة لا تبدأ من الجبهة وحدها، بل من قرار موحد، وهدف واضح، وإرادة سياسية لا تتردد، وتعبئة وطنية تجعل كل قادر شريكًا في استعادة الدولة. وعندما يتوحد القرار والهدف، يصبح التقدم الميداني ترجمة لمشروع وطني لاستعادة الدولة، لا مجرد جولات متفرقة تتبدل فيها المواقع بينما يبقى أصل الأزمة قائمًا.