برز النجم أحمد محمد المعبسي، الذي خطف الأضواء في مباراة فريقه شباب مرخة أمام شعب صنعاء، وقدم واحدة من أجمل لوحات الوفاء للقميص، رغم أنه لم يكن في كامل جاهزيته البدنية بعد عودته من الإصابة.
لم تكن مباراة الأمس مجرد مواجهة عابرة في مشوار بطولة كأس الرئيس، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة فريق قادم من ريف محافظة شبوة على الوقوف شامخاً أمام واحد من الأندية الكبيرة، المدجج بالنجوم وأصحاب الخبرة، وفي عقر داره بمدينة صنعاء.
وفي قلب هذه المواجهة، ظهر المعبسي كعادته عندما تحتاجه الأوقات الصعبة؛ لاعباً لا يستسلم للظروف، ولا تعنيه أسماء المنافسين، ولا تخيفه الفوارق في الإمكانيات.
ورغم الإصابة التي أبعدته عن الملاعب، وعودته حديثاً إلى أجواء المباريات، كان أحمد محمد المعبسي الورقة الرابحة للمدرب المنصوري، الذي عرف متى يدفع بنجمه إلى أرض الملعب، ليأتي الرد من اللاعب بأفضل صورة ممكنة.
ففي الوقت الذي كانت فيه المباراة تقترب من نهايتها، وبينما كان شباب مرخة يبحث عن بصيص أمل أمام شعب صنعاء، ظهر المعبسي في اللحظة المناسبة، وتمكن من تسجيل هدف التعادل في الأنفاس الأخيرة من المباراة، ليمنح فريقه هدفاً ثميناً، ويؤكد أن النجوم الحقيقيين تظهر قيمتهم عندما تكون الظروف أقسى واللحظات أصعب.
أمام شعب صنعاء.. المعبسي يثبت أن الموهبة لا تحتاج إلى إمكانيات
كان شباب مرخة يعرف تماماً أنه يواجه فريقاً مختلفاً؛ شعب صنعاء يمتلك إمكانيات كبيرة، ويضم مجموعة مميزة من اللاعبين، بينهم عدد من أصحاب الخبرة ولاعبين ارتدوا قمصان المنتخبات الوطنية، وهو ما يجعل الفارق بين الفريقين واضحاً على الورق.
لكن كرة القدم لا تُلعب على الورق.
فداخل المستطيل الأخضر، لا قيمة للفوارق المالية، ولا لأسماء اللاعبين، ولا لحجم النادي، وإنما تكون الكلمة لمن يملك الإرادة والروح والقدرة على القتال حتى صافرة النهاية.
وهكذا دخل شباب مرخة المباراة، حاملاً معه أحلام محافظة كاملة، ومدافعاً عن سمعة رياضة شبوة، التي أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على صناعة المواهب ومقارعة الكبار، حتى عندما تكون الإمكانيات شحيحة والظروف صعبة.
ما حققه شباب مرخة في هذه البطولة يستحق التوقف أمامه كثيراً.
فالفريق الذي جاء من ريف محافظة شبوة، بإمكانيات بسيطة جداً، ومن دون ذلك الدعم الذي تحصل عليه الأندية الكبيرة، استطاع أن يشق طريقه بقوة وثبات، وأن يتجاوز أندية عريقة، ويقدم مستويات جعلت الجميع يعيد حساباته أمام اسم كان يوصف ذات يوم بأنه نادٍ مغمور.
لكن شباب مرخة لم يرضَ بهذا الوصف.
دخل البطولة بروح مختلفة، ولعب مبارياته وكأنه نادٍ كبير، ففاز على أندية لها تاريخها واسمها، وقارع أندية قوية، وواصل المغامرة حتى وصل إلى دور الـ16 في كأس الرئيس، محققاً نتائج مشرفة للغاية، ومؤكداً أن كرة القدم في شبوة ليست مجرد مواهب متفرقة، بل منظومة من العشق والانتماء والإصرار.
ولعل أجمل ما في حكاية شباب مرخة أنه لم يكن يملك الكثير، لكنه امتلك ما هو أهم من المال: الإرادة.
رحلات مكوكية.. والتعب لا يمنع الحلم
ولم تكن رحلة شباب مرخة إلى صنعاء سهلة على الإطلاق.
الفريق قطع مئات الكيلومترات بين شبوة وصنعاء، وخاض رحلات مكوكية شاقة، بل عاد إلى صنعاء مرتين خلال أقل من ثلاثة أسابيع، في ظل ظروف سفر وإرهاق كان من الممكن أن تكون كافية لإسقاط أي فريق.
ومع ذلك، ظل اللاعبون متمسكين بحلمهم، وواصلوا الدفاع عن ألوان ناديهم، حتى وصلوا إلى مواجهة الأمس أمام شعب صنعاء في قلب العاصمة.
وهنا تحديداً تتجلى قيمة ما فعله شباب مرخة؛ فالفريق لم يخرج مرفوع الرأس بسبب النتيجة فقط، بل بسبب المسيرة كاملة.
لقد وصل إلى دور الـ16، وواجه أندية كبيرة، وتنقل بين المحافظات، وتحمل مشقة السفر، ولعب أمام فرق أكثر جاهزية وإمكانيات، ومع ذلك ظل حاضراً، منافساً، ومزعجاً للكبار.
أحمد المعبسي.. صورة من صور الموهبة الشبوانية
وسط هذه الحكاية، يأتي أحمد محمد المعبسي كواحد من الأسماء التي تستحق الإضاءة عليها.
فالهدف الذي سجله في مرمى شعب صنعاء لم يكن مجرد هدف للتعادل، بل كان رسالة تقول إن اللاعب الشبواني قادر على صناعة الفارق متى ما وجد الفرصة والثقة.
أن تعود من الإصابة، وأنت لم تستعد كامل عافيتك، ثم تدخل مواجهة أمام فريق يضم لاعبين من أصحاب الخبرة والمنتخبات، وتظهر في الدقائق الحاسمة، وتسجل هدفاً في الأنفاس الأخيرة، فهذا يعكس شخصية لاعب يمتلك روحاً تنافسية عالية وشجاعة وثقة بالنفس.
لقد كان المعبسي عنواناً للروح التي لعب بها شباب مرخة، وكان هدفه بمثابة توقيع أخير على مشوار فريق رفض أن يكون ضيف شرف في البطولة.
رياضة شبوة في العلالي رغم شح الإمكانيات
من شبوة إلى صنعاء، حمل شباب مرخة معه أكثر من مجرد كرة وقميص.
حمل معه صورة الرياضة الشبوانية، وحمل أحلام اللاعبين الشباب الذين يحتاجون إلى من يمد لهم يد الدعم، وحمل رسالة واضحة مفادها أن الموهبة موجودة، لكن الإمكانيات هي الحلقة الأضعف.
فما قدمه شباب مرخة في كأس الرئيس يجب ألا يمر مرور الكرام.
هذا الفريق أثبت أن الأندية الصغيرة قد تصنع المفاجآت الكبيرة، وأن الفارق بين النادي المغمور والنادي الكبير لا يكون دائماً في الملعب، بل كثيراً ما يكون خارج الملعب، في حجم الدعم والإمكانات والاستعداد.
ومع ذلك، استطاع شباب مرخة أن يقول كلمته.
خرج من البطولة بصعوبة أمام شعب صنعاء، لكنه لم يخرج خاسراً بالمعنى الحقيقي؛ فقد خرج وقد كسب احترام المنافسين والجماهير، وترك خلفه انطباعاً بأن هذا النادي قادر على الذهاب أبعد في المستقبل إذا وجد الدعم والرعاية.
النهاية ليست خسارة.. بل بداية لحكاية أكبر
قد تنتهي المباراة بصافرة الحكم، وقد يتوقف مشوار الفريق عند دور الـ16، لكن حكاية شباب مرخة لم تنتهِ.
بل ربما تكون هذه البطولة هي بداية مرحلة جديدة لنادٍ أثبت أنه يستحق الاهتمام.
أما أحمد محمد المعبسي، فقد أكد مجدداً أن شبوة تزخر بالمواهب القادرة على الظهور في أكبر المواعيد، وأن اللاعب الذي يملك الموهبة والإصرار يستطيع أن يفرض نفسه حتى أمام الأسماء الكبيرة.
شباب مرخة خرج من كأس الرئيس، لكنه كسب شيئاً أكبر من التأهل.. كسب الاحترام.
وخرج أحمد المعبسي من مباراة الأمس بهدف ثمين، لكنه ترك خلفه صورة لاعب يعرف كيف يظهر عندما يحتاجه فريقه.
هكذا هي كرة القدم الجميلة؛ لا تسأل من أين أتيت، ولا كم تملك، بل تسألك ماذا تستطيع أن تفعل عندما تحين لحظتك.
وفي لحظة الأمس، كانت لحظة أحمد محمد المعبسي، وكانت لحظة شباب مرخة، وكانت رسالة جديدة بأن رياضة شبوة تستحق أن تكون دائماً في العلالي، وأن المواهب التي تولد من ريفها تستحق أن تجد طريقها إلى الأضواء.