وأخيرًا انتهت المرحلة الثامنة من مشروع فيدا للحوالات النقدية المباشرة يدا بيد لنحو 600 حالة موزعة على عُزل مديرية الوازعية.
أشاهد الآن حال المستحقين وهي موزعة بين الفرح والحزن.
فرح استلام المساعدة النقدية وحزن لأنها قد تكون الأخيرة إذا لم يتم تمديد المشروع.
فهذه المساعدات لم تكن مجرد مبلغ مالي يُسلَّم للمستفيد ثم ينتهي الأمر بل كانت مساعدة غيّرت الكثير من واقع بعض الأسر وأزاحت شيئًا من الهموم عن كاهلها.
هناك أرامل ونساء وجدن أنفسهن مسؤولات عن إعالة أسر مكونة من عدد من الأفراد بسبب وفاة المعيل أو غيابه أو مرضه أو ظروف اجتماعية قاهرة فرضتها الحرب وانعكاساتها الثقيلة على المجتمع.
وهناك رجال وجدوا أنفسهم في حالة من العجز غير قادرين على إعالة أسر كبيرة وسط انعدام فرص العمل وتردي الأوضاع المعيشية فكانت هذه المساعدة بالنسبة لبعضهم أشبه بمعجزة صغيرة حققت له شيئًا مما يصبو إليه وحفظت له كرامته أمام أسرته.
لكن هذا اليوم كان مختلفًا عن المرات السابقة.
كان المستفيد يذهب وفي عينيه سؤال لا يفارقه
هل هذه فعلًا آخر مرة؟
ألن يتم تمديد المشروع؟
قال أحدهم مازحًا لمستفيد آخر
ليت المرة الأولى بدأت من هذا اليوم!
ثمانية أشهر رحلت فيها همومنا ووضعناها على الرف.
ثمانية أشهر عشنا خلالها قدرًا من الطمأنينة بعيدًا عن ذلك السؤال الثقيل الذي يطارد الفقير كل صباح
من أين سأأتي بالدقيق والأرز والسكر والزيت والخضروات وماء الشرب وغيرها من ضروريات الحياة؟
البعض استطاع أن يدير المبلغ بحكمة فاشترى معزة لتكون مصدرًا يعينه على ظروف الحياة.
والبعض اشترى حمارًا يساعده في نقل الماء.
وآخرون استطاعوا إعادة أطفالهم إلى المدارس بعدما عجزوا عن توفير نفقات الدراسة.
ومنهم من سدد شيئًا من ديونه وأعاد ترتيب جزء من حياته التي أثقلتها الحاجة.
وهناك من استفاد من المبلغ في إصلاح نافذة مكسورة كانت تترك الريح والغبار يتسللان إلى البيت أو بابٍ مسلوخٍ لم يعد يحفظ للمنزل ستره أو خشبة متآكلة في سقف كان المطر يتسرب من خلالها إلى من تحته من البشر.
وهناك من اشترى لطفله أو طفلته لعبة كانت بالنسبة له حلمًا بعيد المنال فكان ذلك المبلغ سببًا في أن يرى ابتسامة صغيرة على وجه طفل لم يكن يطلب أكثر من لعبة تشبه تلك التي يراها في أيدي أقرانه.
وهناك من اشترى فاكهة لأطفاله بعدما كانت من الأشياء التي يراها في الأسواق ولا يملك ثمنها وهناك من استطاع أن يشتري لحمًا لوجبة كانت لفترة طويلة من الأمنيات المؤجلة.
أشياء قد تبدو بسيطة في نظر من اعتاد عليها لكنها عند الفقير ليست بسيطة أبدًا.
فأن تأكل أسرة فقيرة اللحم في يوم من الأيام وأن يطلب طفل فاكهة فيجدها أمامه وأن يحصل طفل على لعبة كان يحلم بها وأن ينام أهل بيت تحت سقف لا يتسرب منه المطر كل ذلك جزء من معنى هذه المساعدة.
ولهذا كان أثرها أعمق من مجرد مبلغ نقدي يُسلَّم وينتهي أثره بانتهاء إنفاقه فقد تحولت تلك النقود في حياة الناس إلى طعام وتعليم وإصلاح للبيت وستر وكرامة وفرحة صغيرة لأطفال حُرموا من كثير من الأشياء التي تبدو عادية في حياة غيرهم.
واليوم انصرف هؤلاء بنصف ابتسامة ونصف عبوس.
ابتسموا للنقود التي حملوها إلى بيوتهم وعبسوا لأنهم يعلمون أنها الدفعة الثامنة والأخيرة إذا لم يحدث تمديد للمشروع.
لقد تركت هذه المساعدات النقدية أثرًا ملموسًا في حياة المستفيدين خلال الأشهر الثمانية الماضية ولم تكن مجرد مبالغ تُسلَّم ثم تُنسى بل تحولت إلى غذاء في بيوت ومصاريف دراسة لأطفال وسداد لبعض الديون وشراء معزة أو حمار وتوفير احتياجات يومية كانت تشكل همًا ثقيلًا على كثير من الأسر.
لكن بقدر ما كان أثرها إيجابيًا في حياة المستفيدين كان وقع الدفعة الأخيرة مؤلمًا عليهم.
فالمستفيد الذي اعتاد طوال ثمانية أشهر أن يجد في نهاية كل دورة مبلغًا يعينه على مواجهة أعباء الحياة وجد نفسه اليوم أمام احتمال أن يعود من جديد إلى نقطة الصفر وإلى السؤال القديم نفسه
من أين سأدبر احتياجات أسرتي؟
ولهذا لم تكن فرحتهم اليوم كاملة.
كانوا فرحين بما استلموه وحزانى لأنهم لا يعرفون هل سيعودون مرة أخرى لاستلام دفعة جديدة أم أن هذه هي المرة الأخيرة.
لا أملك إلا أن أتمنى ألا تكون هذه هي النهاية.
فثمانية أشهر من المساعدة لم تكن مجرد ثمانية أشهر من المال
بل كانت ثمانية أشهر من الطمأنينة.
ثمانية أشهر نامت فيها أسر وهي تعرف أن غدها لن يكون مجهولًا تمامًا.
ثمانية أشهر استطاع فيها أناس أن يرحلوا همومهم قليلًا ويضعوها على الرف وأن يستعيدوا شيئًا من قدرتهم على مواجهة الحياة.
ولذلك كان ألمهم اليوم مفهومًا.
فمن ذاق طعم الأمان ولو لفترة قصيرة يؤلمه كثيرًا أن يفقده.
فهل تكون هذه فعلًا الدفعة الأخيرة؟
أم أن يد الخير ستمتد من جديد لتمنح هذه الأسر مزيدًا من الوقت والأمل؟
شكرا ادرا وشكرا لفريقها الجميل الذي كان أكثر شعورا بالناس وفعلوا المستحيل لتبقى في المديرية رغم كل الصعوبات والتحديات .
شكرا الأستاذة منال الذبحاني
شكرا الاخ عبد الله النهمي
شكرا صديقي ماجد
شكرا للجميع بالنيابة عن المستفيدين .
علوي الوازعي