في عالم حيث تصنع الحروب خلف الكواليس، وتُسرق الانتصارات من أروقة القرار لا من أرض المعركة، يبرز وجهان لتشوه واحد: زيلينسكي في أوكرانيا، والحوثي في اليمن. لكن المفاجأة التي تقلب الطاولة، أن الأداة في كييف قابلة للكسر، بينما الأداة في صنعاء أصبحت تُملي شروطها. فكيف تحول التابع إلى سيد، والمستنزَف إلى مَن يُملي؟"
المشهد الأول: التشابه في الآلية
يبرز عبدالملك الحوثي متباهياً بقوته، مطلقاً الشروط والتهديدات، لكن الحقيقة التي لا تغيب عن العارفين هي أنه ليس سوى نسخة طبق الأصل من فولوديمير زيلينسكي. ففي أوكرانيا، لم يكن الرئيس الأوكراني ليصمد أمام روسيا أسبوعاً واحداً لولا الدعم السخي من حلف الناتو، وهو ما كشفه ترامب بوضوح في جلسة التوبيخ الشهيرة التي جمعته بزيلينسكي في البيت الأبيض، حيث تم استثمار كييف كمهمة أساسية لاستنزاف موسكو اقتصادياً وعسكرياً.
المشهد الثاني: دور الحوثي المتعدد
أما عبدالملك الحوثي، فلم يُستخدم فقط لاستنزاف السعودية على المستويين الاقتصادي والعسكري، بل تجاوز ذلك إلى إجبار الرياض على التطبيع مع إسرائيل، فضلاً عن خنق القاهرة اقتصادياً من خلال استهداف عائدات قناة السويس وحرمان مصر من موردها المالي الضخم.
المشهد الثالث: سر القوة المستعارة
ولو رُفع الغطاء، وتوقفت الحماية الأمريكية والإسرائيلية والدعم اللوجستي عن الحوثي، لما صمد أكثر من أسبوع واحد. فالانتصارات التي يستعرض بها الحوثيون ليست نتاج قوتهم الذاتية، بل هي بفضل جهات خارجية تقف خلفهم، وهذا هو عين الحال مع زيلينسكي؛ إذ تعود انتصاراته المتباهى بها إلى المخابرات الأمريكية وحلف الناتو، الذين يمدونه بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة حول الأهداف، وهو السر الحقيقي وراء صمود أوكرانيا في مواجهة روسيا.
فالقوة المستعارة لا تصنع انتصارات.. لكنها قد تصنع فرعوناً.
المشهد الرابع: الفارق الجوهري في ميزان القوى
رغم هذا التشابه في التبعية، يبقى الفارق حاسماً: في أوكرانيا، روسيا هي من تملي شروطها على زيلينسكي، وتتقدم يومياً وتسيطر على مناطق ومدن جديدة، بل تملك القدرة على محي أوكرانيا بالكامل إذا تجاوز خطوطها الحمراء المتفق عليها.
المشهد الخامس: الانعكاس في اليمن
لكن الوضع ينقلب رأساً على عقب في اليمن؛ فالحوثي هناك هو من يملي شروطه على السعودية، ولن يُسمح لأي قوة بمحو نظامه وقواته إلا بعد تلبية الشروط الأساسية التي أوصلته إلى سدة الحكم في العاصمة صنعاء.
وخلاصة القول التي لا يُمكن لأحد تجاهلها: أن من يُخلق ليكون أداةً، قد ينقلب يومًا سيداً إذا أتقن لعبة الابتزاز. زيلينسكي يظل رهينةً لدعمٍ يمكن سحبه بأمر رئاسي، أما الحوثي فقد حوّل دعمه إلى مكسبٍ استراتيجي لا يُمس، لأن كسره يعني قلب الطاولة على الجميع. عندها فقط ندرك أن الحرب ليست معركة سلاح، بل معركة من يجعل نفسه جزءاً من الحل، فيصبح من المستحيل الاستغناء عنه. وهذه هي الحقيقة المرة التي يعرفها صنّاع القرار، لكنهم يتجاهلونها في خطاباتهم اليومية."
الصحفي صالح حقروص
2026/7/28م