ظهور الزبيدي... رسائل ما بعد الغياب

قبل ساعتين


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

بقلم: الصحفي صالح حقروص


في السياسة، لا يُقاس الحضور بعدد الظهورات، بل بتوقيت الظهور وما يحمله من رسائل. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اجتماع الرئيس عيدروس الزبيدي بأعضاء هيئة الرئاسة الجدد باعتباره محاولة لإعادة الإمساك بزمام المبادرة السياسية في مرحلة تتسم بتزايد الضغوط والتحديات.


الرسالة الأولى التي بدت واضحة هي أن المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي. فالتأكيد على أن عضوية هيئة الرئاسة ليست تشريفًا، وإنما تكليف ومسؤولية، يحمل في طياته رغبة في ترسيخ مفهوم الانضباط المؤسسي، ونقل مركز الثقل من الأسماء إلى الأداء. وإذا نجحت الهيئة الجديدة في ترجمة هذا المفهوم إلى عمل مؤسسي، فقد يكون ذلك أحد أهم مكاسب المرحلة المقبلة.


أما الرسالة الثانية، فتتعلق بالثوابت السياسية. فقد أعاد الزبيدي التأكيد على المرجعيات التي يعتمدها المجلس، في خطوة تبدو موجهة إلى الداخل والخارج معًا. إلى الداخل، لتوحيد الموقف حول إطار سياسي واضح، وإلى الخارج، للتأكيد أن أي مسارات سياسية مستقبلية – من وجهة نظر المجلس – ينبغي أن تنطلق من تلك المرجعيات، لا أن تتجاوزها.

وفي الجانب الأمني والعسكري، جاء الخطاب حاسمًا في التشديد على ضرورة الحفاظ على تماسك القوات المسلحة الجنوبية ورفع جاهزيتها. غير أن اللافت لم يكن الحديث عن القوة وحدها، بل الربط بينها وبين الحضور السياسي والدبلوماسي. ويعكس ذلك إدراكًا بأن الصراعات المعاصرة لا تُحسم في الميدان فقط، وإنما أيضًا في دوائر القرار الإقليمي والدولي، حيث تلعب الشرعية السياسية والعلاقات الخارجية دورًا لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية.

كما حمل الخطاب رسالة تعبئة موجهة إلى القاعدة الشعبية، عبر استحضار تضحيات الشهداء بوصفها رمزًا للاستمرار والثبات. ومثل هذا الخطاب يهدف عادة إلى تعزيز التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط السياسية والعسكرية، والمحافظة على وحدة الصف في مرحلة يراها المجلس دقيقة ومفصلية.

لكن، ورغم قوة الرسائل، فإن السياسة لا تُقاس ببلاغة الخطاب وحدها. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة القيادة الجديدة على تحويل هذه المواقف إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وإلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن على المستويات السياسية والأمنية والخدمية. فالجماهير، مهما تفاعلت مع الخطابات، تظل في النهاية أكثر اهتمامًا بما يتحقق على أرض الواقع.

في تقديري، نجح الزبيدي في إعادة توجيه بوصلة النقاش السياسي وإرسال رسائل واضحة إلى مختلف الأطراف. إلا أن نجاح هذه العودة لن يُقاس بما قيل في الاجتماع، بل بما سيُنجز بعده. فالخطابات قد تعيد الثقة، لكنها وحدها لا تصنع التحولات؛ أما التحول الحقيقي، فيبدأ عندما تتحول الرسائل إلى قرارات، والقرارات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى واقع يرسخ الاستقرار ويعزز الثقة بالمستقبل.


الصحفي صالح حقروص

2026/7/27م