السياسة لا تدار بالعواطف ولا بالشعارات وإنما تبنى على قراءة دقيقة للواقع وفهم عميق لموازين القوى والمصالح, ومن هذا المنطلق فإن استعادة دولة الجنوب لا يمكن أن تختزل في الرهان على طرف إقليمي واحد، كما لا يجوز تصوير أي دولة شقيقة وكأنها صاحبة وصاية على القرار الجنوبي فالقضية الجنوبية قضية شعب وقرارها يجب أن يبقى نابع من إرادته الوطنية.
وقد أثبتت التجارب أن المشاريع السياسية التي ترتهن لطرف واحد تظل رهينة لتقلبات المصالح والتحولات الإقليمية بينما تزداد فرص نجاحها كلما حظيت ببيئة إقليمية متوازنة وتفاهمات تخدم الاستقرار, ولذلك فإن عودة العلاقات بين القوى الإقليمية إلى مسارات أكثر هدوء وتفاهم تمثل عامل مساعد لتهيئة الظروف أمام حلول سياسية أكثر استقرار وتفتح المجال لمعالجة القضايا العالقة بعيد عن صراعات النفوذ والاستقطابات الحادة.
ونقول وبكل صراحة ان الجنوب اليوم بحاجة إلى سياسة وطنية واقعية تقدم مصلحة شعبه فوق كل اعتبار وتحسن إدارة علاقاتها مع الجميع دون ارتهان لأحد أو عداء مع أحد، لأن الدول لا تستعاد بالشعارات والانفعالات إنما بحسن إدارة السياسة واستثمار المتغيرات، وبناء التوافقات التي تعزز فرص الوصول إلى حل عادل ودائم.
والجنوب لا يحتاج إلى تبعية لأحد ولا إلى خصومة مع أحد بل يحتاج إلى رؤية سياسية ناضجة تحسن قراءة التحولات وتتعامل معها بعقل الدولة لا بعقل اللحظة، لان الأوطان تبنى بالحكمة وتصان بالتوازن وتنتصر عندما تكون مصلحتها الوطنية هي البوصلة التي لا تحيد.