الإنصاف يقتضي أن تُقال الحقائق كما هي بعيدًا عن المبالغة في المديح أو التجني في النقد فالمواقف الوطنية الرصينة تُبنى على قراءة متوازنة للأحداث لا على ردود الأفعال أو الاصطفافات السياسية.
لقد كان للأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة دورٌ بارز في تحرير مدينة عدن وعددٍ من المحافظات المحررة كما أسهموا في تقديم الدعم الإنساني والإغاثي في مرحلة كانت البلاد تمر فيها بظروف استثنائية وعملوا أيضًا على إنشاء ودعم عددٍ من مؤسسات الدولة بما منحها قدرًا من الهيبة والحضور وأسهم في استعادة جزء من قدرتها على أداء مهامها.
غير أن ذلك لا ينفي وجود أخطاء وسلبيات رافقت تلك المرحلة وكان من أبرزها الاعتماد على بعض الأدوات المحلية التي قدّمت مصالحها الشخصية على المصلحة العامة وانخرطت في ممارسات الإقصاء والانتهاكات والصراعات البينية وأسهمت في تكريس الانقسامات المجتمعية وإغراق الساحة بالتصنيفات والاتهامات بدلًا من توجيه الجهود نحو بناء دولة المؤسسات وترسيخ سيادة القانون.
وقد كانت هذه الممارسات أحد العوامل التي أضعفت تلك الجهود وأفشلت جانبًا من أهدافها وألحقت ضررًا بالمشروع السياسي نفسه بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأثر بأداء بعض القيادات والممارسات التي ابتعدت عن تطلعات المواطنين.
أما اليوم فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا إذ تتراجع مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة وتتسع حالة الهشاشة في أداء الحكومة ويضعف دور مجلس القيادة الرئاسي بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية ويظل المواطن هو الخاسر الأكبر يدفع وحده ثمن الإخفاقات والصراعات السياسية.
إن المقارنة المنصفة تقتضي التمييز بين مشروع يسعى ولو بصورة غير مكتملة إلى بناء مؤسسات الدولة وبين واقع يتجه نحو ترسيخ الضعف والتفكك وغياب الإدارة الرشيدة فالأخطاء يجب أن تُنتقد لكنها لا ينبغي أن تُلغي ما تحقق من إنجازات كما أن الإخفاقات الحالية لا يمكن تبريرها بإلقاء اللوم على الماضي وحده.
فالدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالمحاصصة ولا بتدوير الفاشلين والتافهين ولا بسياسات الإقصاء والمحسوبية وإنما تُبنى بمؤسسات قوية وعدالة تطبق على الجميع وسيادة قانون وإدارة كفؤة وقيادات تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
فالإنصاف ليس انحيازًا لأحد بل هو احترام للحقيقة لأن الأمم لا تصنع مستقبلها إلا عندما تمتلك شجاعة الاعتراف بالإنجاز وشجاعة الاعتراف بالخطأ في الوقت نفسه.
-ناشط سياسي من عدن مستشار وزارة التربية والتعليم