الخطر الحوثي ووحدة المصير:(قراءة في رسالة د.عبدالناصر الوالي)

قبل ساعة


علي صالح الخلاقي
بقلم: علي صالح الخلاقي
ارشيف الكاتب

ما جاء في رسالة الدكتور عبدالناصر الوالي اليوم الاثنين، يمثل_ في تقديري_قراءة حصيفة وواقعية للمشهد السياسي والعسكري المتفاقم في منطقتنا، ويعبر عن رؤية استراتيجية تنطلق من فهم طبيعة المخاطر التي تواجه الجنوب والجزيرة والخليج ثم المنطقة العربية بأسرها. وما طرحه هو عين الصواب، لأن الأولويات الوطنية والقومية تقتضي تشخيص الخطر الحقيقي، ثم بناء المواقف والتحالفات على هذا الأساس.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الخطر الوجودي الأكبر الذي يهدد الجنوب، ويهدد المملكة العربية السعودية ودول الخليج، يتمثل في المشروع الحوثي المرتبط بإيران، والذي تجاوز كونه حركة تمرد محلية إلى كونه ذراعًا لمشروع إقليمي يسعى إلى فرض نفوذه بالقوة، وتهديد أمن المنطقة وممراتها البحرية. كما أن الخطاب الذي يرفعه الحوثيون تحت مسمى "المسيرة القرآنية" لم يترجم على أرض الواقع إلا إلى مزيد من الحروب والدمار والانقسام وإطالة أمد معاناة اليمنيين، بينما ظل ارتباطهم بالمشروع الإيراني حاضرًا في خطابهم وسلوكهم السياسي والعسكري.

ومن هنا، فإن موقف الجنوب إلى جانب التحالف العربي لم يكن موقفًا عابرًا أو ظرفيًا، وإنما جاء انطلاقًا من إدراك عميق لوحدة المصير والمصلحة المشتركة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والتاريخ لا يمكن القفز عليه، والمصالح المشتركة والحدود الممتدة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية تجعل أمن الجنوب وأمن المملكة العربية السعودية مترابطين بصورة لا تقبل الفصل.

لقد أثبت شعب الجنوب، من خلال مقاومته وقواته المسلحة، أنه رأس الحربة في التصدي للمليشيات الحوثية عندما اجتاحت عدن ومحافظات الجنوب عام 2015، وقدم قوافل من الشهداء والجرحى حتى تمكن من دحرها وإجبارها على الانسحاب من أرض الجنوب.

ولم يقتصر دوره على الدفاع عن أرضه، بل امتد إلى المشاركة في حماية الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، انطلاقًا من قناعة بأن المعركة واحدة، وأن الخطر واحد، وأن أمن الجوار هو جزء من أمن الجنوب نفسه.

ولا شك أن هناك جراحًا مؤلمة ما زالت حاضرة في الذاكرة، وفي مقدمتها ما تعرضت له القوات الجنوبية في الأحداث المؤسفة في حضرموت التي لم نكن نتوقعها من الأشقاء في قيادة التحالف العربي والتي خلفت خسائر كبيرة وآلامًا عميقة. وهذه الجراح لا يمكن إنكارها أو التقليل من أثرها، كما أن من المهم أن يتطلع الجميع إلى معالجتها بروح المسؤولية، وأن تُصحح الأخطاء بما يعزز الثقة ويغلق الأبواب أمام من يسعى لاستغلالها.

غير أن حجم الخطر الذي تمثله المليشيات الحوثية ومشروعها الإقليمي يفرض على الجميع أن يكونوا أكبر من الجراح، وأبعد نظرًا من ردود الفعل الآنية، وأن يقدموا المصالح الاستراتيجية على الانفعالات العابرة. فالاستمرار في استثمار تلك الأخطاء لإضعاف العلاقة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية لا يخدم إلا الحوثيين ومن يقف خلفهم، وهو ما حاولت هذه المليشيات استغلاله في دعايتها السياسية والإعلامية.

إن ما نحتاج إليه اليوم هو ترسيخ الشراكة القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتعزيز الحوار والتنسيق بين الأشقاء، بما يحقق الأمن والاستقرار، ويقطع الطريق أمام المشروع الإيراني الذي لا يزال يشكل تهديدًا مباشرًا للمنطقة بأسرها، ولأمن البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن هذا المنطلق، فإننا نتمنى أن تجد رسالة الدكتور عبدالناصر الوالي صدى لدى صناع القرار في المملكة العربية السعودية، لأنها تعبر عن رؤية تدعو إلى توحيد الصفوف في مواجهة الخطر المشترك، وإلى بناء مرحلة جديدة تقوم على الثقة والتفاهم والشراكة الاستراتيجية.

إن الجنوب، الذي قدم التضحيات دفاعًا عن أرضه وعن محيطه العربي، سيظل وفيًا لتحالفاته القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، كما سيظل متمسكًا بحقه المشروع في استعادة دولته كاملة السيادة. ولا تعارض بين الأمرين، بل إن وضوح الرؤية، وتحديد الأولويات، وبناء العلاقات على المصالح المشتركة، هو الطريق الأمثل لحماية المنطقة وصون أمنها واستقرارها.

واليوم، ونحن ننظر إلى ما يحيط بنا من تحديات، فإن الحكمة تقتضي أن نسمو جميعًا فوق الخلافات والجراح، دون أن نفرط بحق شعبنا في استعادة دولته، وأن نركز على ما يجمعنا لا ما يفرقنا، وأن نوحد جهودنا لمواجهة الخطر الحقيقي الذي يهدد حاضرنا ومستقبل أجيالنا، فالمعركة مع المشروع الحوثي والإيراني ليست معركة الجنوب وحده، ولا معركة المملكة العربية السعودية وحدها، وإنما هي معركة أمن واستقرار المنطقة بأسرها.


د.علي صالح الخلاقي