خرج علينا أحدهم باكتشاف جغرافي سيُربك كتب التاريخ، ويستحق أن يُدرَّس في أقسام "الخيال السياسي". يقول إن إيران لم تُنزل طائرتها في سيئون خوفًا من "المملكة العظمى"، بل اختارت الحديدة، ثم يطرح السؤال العبقري: أتدرون لماذا سموها الحديدة؟ ويجيب بثقة العارف: لأنها لا ترتبط بحدود برية أو بحرية أو جوية مع المملكة!
ولدواع إنسانية سمحوا لها بالهبوط بمزاجهم😜
قسمبالله🤣
ولأنهم يخشونها، تجنبوا صنعاء وذهبوا بها إلى الحديدة البعيدة. لإتقاء شر الحليم إذا خري على حاله.
إذن لم نكن نعرف أن أسماء المدن في اليمن تُختار وفق بعدها عن السعودية، لا وفق تاريخها وجغرافيتها. وبناءً على هذه النظرية، ربما سُمّيت المكلا لأنها لا ترى الرياض بالعين المجردة، وسُمّيت سقطرى لأنها أبعد من أن تصلها خطابات المهايطين، وأعضاء جروب اللعنة الخاصة.
ولو أخذنا هذه العبقرية على محمل الجد، فعلينا أن نطالب المؤرخين بإعادة كتابة معاجم البلدان، وإلغاء كل ما قيل عن أصول أسماء المدن، واستبداله بمقياس جديد: كم تبعد عن المملكة العظمى؟ وهل تشكل خطراً على أمنها القومي؟
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا سموها الحديدة؟
السؤال هو: لماذا يصر بعضهم على تحويل أي حدث عادي إلى ملحمة انتصار، حتى لو اضطر إلى اختراع جغرافيا جديدة، وتأليف تاريخ جديد، ورسم خرائط لا يعرفها إلا هو؟
المفارقة أن من يدّعي أن الجميع يخشاها، انتهى به الأمر يشرح للناس أن مجرد عدم هبوط طائرة في مطار معيّن هو دليل على هيبة "المملكة العظمى"، بينما الوقائع على الأرض تمضي في اتجاه آخر، غير آبهة بكل هذا الهياط الإعلامي.
في النهاية، لا تُقاس هيبة الدول بعدد التغريدات، ولا تُكتب الجغرافيا بمنشورات منصات التواصل، ولا تُغيَّر أسماء المدن لإرضاء طويل العمر. أما الحديدة... فستظل الحديدة، مهما حاول البعض أن يجعلها فصلًا جديدًا في كتاب "الأساطير السياسية".