_ماذا يجري في مدينة عدن؟_

قبل ساعة


أحمد المريسي
بقلم: أحمد المريسي
ارشيف الكاتب


لا يكفي أن تبتلى مدينة بتاريخ عدن بالانهيار الخدمي والاقتصادي والاجتماعي، حتى تبتلى اليوم بحرب أخطر: حرب الروايات.


في الأيام الأخيرة اجتاحت منصات التواصل رواية أمنية متكاملة الأركان، تتحدث عن اختطاف ضابط ت

حريات وأبنائه، وعن شبكة إجرامية مزعومة تخترق مفاصل أمنية وقضائية، وعن تصفية مصادر، وطمس أدلة، واستخدام السجون الحكومية لتصفية الحسابات. رواية إن صح حرف واحد منها، فنحن أمام انهيار عقد الدولة مع مواطنيها. وإن كذب حرف واحد منها، فنحن أمام اغتيال ممنهج لهيبة مؤسساتنا الأمنية والقضائية.


والسؤال الذي لا يمكن القفز عليه: لماذا صدق المواطن رواية فيسبوك ولم يجد بياناً رسمياً واحداً يكذبها أو يؤكدها؟


الجواب بسيط ومؤلم. عندما تغيب الرواية الرسمية، ويغيب التحقيق العلني، ويغيب منطق المساءلة، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً. يتحول إلى منبر تملؤه الشائعة، ويتحول المواطن من منتظ

ر للعدالة إلى قاضٍ في ساحة التعليقات. وهذا هو الخطر الحقيقي. ليس الخطر في منشور، بل في أن يصبح المنشور هو المصدر الوحيد للحقيقة.


عدن اليوم لا تحتمل عبثاً. شبابها مستهدف بمخدرات تقتل العقل قبل الجسد، وبناتها مستهدفات بأدوات استدراج تتخفى تحت غطاء البراءة، وأجهزتها الأمنية مستهدفة في صميمها: في ثقة الناس بها. وعندما تهتز هذه الثقة، لا ينفع سلاح ولا نقطة أمنية ولا دورية.


لذلك أقولها بوضوح ومن منطلق المسؤولية الوطنية: على المجلس الرئاسي، وعلى معالي وزير الداخلية، وعلى معالي النائب العام، أن يتحركوا فوراً. ليس رداً على منشور، بل صوناً لهيبة الدولة. افتحوا تحقيقاً شفافاً في كل ما تم تداوله. برّئوا ساحة من ثبتت براءته، وحاسبوا من ثبتت إدانته بالقانون لا بالترند. احموا الشهود والمبلغين، وكرموا ضباط التحري الشرفاء الذين يمولون قضاياهم من قوت

أبنائهم، بدل أن يتركوهم وحدهم بين مطرقة الإجرام وسندان الصمت المؤسسي.


أنا لا أكتب هذا المقال لأتبنى رواية ولا لأكذبها. أكتبه كبلاغ فكري، وكشهادة باحث عايش وجع المدينة. أكتبه لأقول إن صمت المؤسسات في لحظات الخطر هو مشاركة سلبية في الجريمة. وإن ترك المواطن فريسة للتأويل والخوف هو إخلال بالعقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة.


عدن أمانة في أعناقنا جميعاً. ودماء أبنائها ليست مادة لسرد بوليسي، وحقوق الناس ليست حقل تجارب لمعارك الظل والتصفيات. ومن يظن أن الأمن يدار بالتجاهل والتعتيم فهو واهم. الأمن يدار بالشفافية، بالمساءلة، وبالعدالة الناجزة التي يراها الناس بأعينهم.


الأمانة العلمية والعملية والمسؤولية الوطنية تقتضي أن نقول الحق حتى لو كان مؤلماً، وأن نضع إصبعنا على الجرح حتى يلتئم، لا أن نخفيه حتى يتقيح.


والله غالب.


_أحمد المريسي_

كاتب وباحث سياسي