لم يكن وسام قايد سياسيا ولا قائدا عسكريا. كان رجلا يحمل ملفات المشاريع لا ملفات الخصومة، ويحسب نسب الإنجاز لا عدد الأعداء. لكنه انتهى جثة مرمية في منطقة الحسوة بعدن، بعد ساعتين فقط من اختطافه أمام منزله في مدينة إنماء.
في عالم التنمية، الثقة هي العملة الأصعب. ووسام قايد كان أحد القلائل الذين يملكون رصيداً منها لدى المانحين الدوليين. اغتياله الأحد الماضي في عدن لا يمثل خسارة شخص لعائلته ومؤسسته فحسب، بل ضربة مباشرة لبنية الثقة الهشة التي تُبقي ما تبقى من الاقتصاد اليمني على قيد التنفس.
الرسالة باتت واضحة ومخيفة: في اليمن اليوم، حتى العمل التنموي صار فعلاً محفوفاً بالمخاطر. الاعتقال في صنعاء أو الموت في عدن.
باغتياله، لا نخسر فردا فقط. نخسر نموذجاً نادرا لرجل تقني نظيف اختار أن يشتغل بدلا من أن يصطرخ. نخسر الجسر الذي كان يربط المانحين الدوليين بمشاريع حقيقية على الأرض. ونخسر ثقة ما تبقى من الكفاءات التي قد تتساءل غدا: كيف أعود؟ لماذا أعود؟ وإلى أين أعود؟
إن استهداف النخب المدنية والعاملين في التنمية يقوّض جهود الاستقرار، وينذر بعواقب وخيمة على العمل الإنساني وثقة المانحين في استيعاب المنح بالمناطق المحررة.
من يحمي اليمني الذي لا يحمل بندقية؟
هنايتساءل الكاتب سمير رشاد اليوسفي في مقاله "يا مجلس القيادة.. من يحمي اليمني الذي لا يحمل بندقية؟": "إذا كانت الحكومة لا تستطيع أن تحمي القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، فبأي وجه ستطلب من المانحين أن يثقوا بها؟"
كان الصندوق الاجتماعي للتنمية الاستثناء اليمني. مؤسسة استمرت بالعمل طوال سنوات الحرب بدعم البنك الدولي والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن وجهات أوروبية. وسر استمرارها: سمعتها كجسم تقني غير مسيّس.
يُعد وسام قايد مهندس نقل الصندوق ومشاريعه الدولية إلى العاصمة المؤقتة عدن. أوقف ما وصفها بـ"التمويلات والمشاريع الوهمية" التي كانت تُمرر لصالح جهات مرتبطة بالحوثيين. وعمل على إقناع الدول المانحة والمنظمات الدولية بجدوى نقل ثقل الصندوق ومشاريعه من صنعاء إلى عدن، رغم ملاحظات بعض المانحين حول آليات النقل واستيعاب المنح.
لكن شخصيته كانت تحظى باحترام المنظمات الدولية وثقتها بشكل كبير. لذا شكل نقل الصندوق إلى عدن مكسبا اقتصاديا وتنمويا للحكومة الشرعية. ولم يكن النقل جغرافيا فقط، بل كان نقلاً للشرعية المالية. فالصندوق الاجتماعي هو أكبر مؤسسة تنموية وطنية، وشريان أساسي لتدفق المنح والقروض الميسرة. وعندما أوقف قايد التمويلات الوهمية، كان فعلياً يعيد توجيه بوصلة مليارات الريالات نحو مشاريع حقيقية.
اغتيال قايد يكسر هذه السمعة. الرسالة للعواصم المانحة باتت: حتى التقنيون يُقتلون. حتى الحياد لا يحميك.
ولهذه الحادثة كلفة اقتصادية باهظة تتجلى في ثلاثة محاور:
1. تجميد المشاريع
كان قايد في اجتماع مع جهة مانحة عصر يوم اغتياله. أي اتفاقية كانت على الطاولة دخلت الآن غرفة الإنعاش.
2. هروب الكفاءات
يحمل الجنسية البريطانية وماجستير من جامعة برمنغهام. اغتيال نموذج كهذا رسالة لكل خبير يمني في الخارج: لا تعد.
3. ارتفاع كلفة التشغيل
سيضيف المانحون بند "مخاطر أمنية" على كل دولار. التأمين، الحراسة، تعويضات الخطر. والنتيجة: أموال أقل تصل للمستفيد النهائي من الأموال المنفذة عبر المانحين والمنظمات الدولية في اليمن.
برحيل وسام قايد، تخسر اليمن أحد أبرز مهندسي العمل التنموي المؤسسي، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى كل كفاءة قادرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب.
رحم الله وسام قايد، وسلام لروحه الطاهرة.
كل الاحترام والتقدير لالتزامه المهني والتنموي.