لسنا مع أي مشروع يحاول تصفية قضية الجنوب أو اختزالها أو تقديمها كورقة تفاوض تُباع وتُشترى تحت أي مبرر كان، سواء كان ذلك باسم التحالفات أو المصالح أو التوازنات الإقليمية. قضية الجنوب ليست ملفًا هامشيًا، وليست سلعة سياسية، بل هي قضية شعب وهوية وحقوق وتاريخ وتضحيات، ولا يمكن لأي قوة—مهما كانت—أن تمتلك الحق في تجريفها أو إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب إرادة الناس وكرامتهم.
وفي ذات الوقت، لسنا مع تحويل أي قيادة جنوبية إلى حالة من التقديس أو الاصطفاف الأعمى الذي يُلغي العقول ويصادر النقد. لا نقبل أن يُختزل الجنوب في شخص، ولا أن يتحول أي قائد—مهما كان—إلى رمز فوق المحاسبة أو النقد. فهذه الممارسات لا تبني وطنًا، بل تكرّس الاستبداد بأدوات جديدة، وتعيد إنتاج نفس الأخطاء التي عانى منها الجنوب لعقود.
نحن نرفض هذا وذاك بوضوح: نرفض التبعية للخارج التي تفرّغ القضية من مضمونها، ونرفض الاستبداد الداخلي الذي يختطفها باسم التمثيل. لأن الخطر في الحالتين واحد: ضياع الجنوب بين من يساوم عليه، ومن يحتكره.
ما نريده بوضوح هو شراكة وطنية جنوبية حقيقية، لا شعارات تُرفع في المنابر ثم تُنسف على أرض الواقع. شراكة تشمل كل المكونات، كل التيارات، كل المناطق، وكل فئات المجتمع دون إقصاء أو تهميش. شراكة تقوم على ميثاق وطني صادق، يُترجم إلى مؤسسات، وإلى قرارات، وإلى ممارسة يومية عادلة، لا إلى بيانات فضفاضة تُستهلك إعلاميًا فقط.
نريد دولة تُبنى على العدل والمواطنة، لا على الولاءات الضيقة. نريد قيادة تُحاسَب، لا تُقدّس. نريد مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا مشاريع متصارعة تمزق النسيج الجنوبي. نريد أن يكون القرار جنوبيًا نابعًا من إرادة الناس، لا انعكاسًا لإملاءات الخارج أو نزوات الداخل.
الجنوب لن يُبنى بالصمت على الأخطاء، ولا بالتطبيل للأشخاص، ولا ببيع القضايا تحت الطاولة. الجنوب يُبنى بالوعي، بالشجاعة في قول الحقيقة، وبالإصرار على شراكة عادلة تحترم الجميع وتضمن مستقبلًا يليق بتضحيات هذا الشعب.
وهذا هو الموقف الذي لا لبس فيه: لا وصاية خارجية، ولا استبداد داخلي… بل شراكة وطنية حقيقية تُمارس على الأرض، ويشعر بها كل جنوبي في حياته اليومية، لا في الشعارات فقط.