منذ أن عرفنا هذه الدنيا أطفالًا نحبو، ثم صبيةً نكبر، ثم شبابًا نشتد، إلى أن بلغنا من العمر ما شاء الله، ونحن من الناس وإليهم. ما كان لنا فضلٌ على أحد إلا بما قدّر الله، ولا رُفع لنا شأنٌ إلا بخدمة من قصدنا. كان بيتنا مضافًا يُفتح بابه للقاصد، وصدرنا رحبًا لمن أقبل. ما ميّزنا في الحق بين قريب وبعيد، ولا حملنا في الخصومة حقدًا، ولا حسدنا أحدًا على رزق، ولا أضمرنا في قلوبنا كراهيةً لأحد. ونسأل الله أن يديم علينا نعمة سلامة الصدر وحسن النية.
تربينا على ما سمعناه من آبائنا وأجدادنا: أن المحبة خُلق، وأن حسن الجوار أمانة، وأن المعروف لا يُنسى، وأن الإحسان يُقابل بالإحسان. فإن أصبنا فبتوفيق من الله وفضله، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ونستغفر الله ونتوب إليه. كانت بيوت من سبقونا ملاذًا للملهوف بإذن الله، ومجالسهم أمنًا للخائف بفضل الله، ونحن على آثارهم نسير، راجين من الله أن نكون لهم خير خلف.
ولنهجنا أصلٌ لا نحيد عنه: الحق. لا نجامل فيه هوًى، ولا نداهن فيه قريبًا أو بعيدًا. فإن استطعنا، وقفنا مع المظلوم كائنًا من كان، وكنا ضد الظلم أيًّا كان مصدره. لا نساوم على مبدأ نؤمن به، ولا نفرّط في ضمير استودعنا الله إياه، ونسأله سبحانه الثبات على قول الحق والعمل به. لا قوة لنا إلا بالله، وشرفنا أن ننصر الضعيف بما نقدر، وأن نقف مع صاحب الحق ما استطعنا، ولو علا صوت الباطل.
هذا عهدنا أمام الله أولًا، ثم أمام الناس. ما ورثناه من قيم حملناه أمانة في أعناقنا، فإن وفّينا فالحمد لله على توفيقه، وإن قصّرنا سألنا الله العفو والمغفرة. عليه نحيا ما كتب الله لنا من عُمر، ونسأله أن يقبضنا إليه بقلوبٍ سليمة وذممٍ بريئة لا نحمّلها ظلم أحد.
بيت المريسي
نسأل الله الثبات على العهد