عادل ياطيفًا حاضرًا لايغيب

السبت - 04 أبريل 2026 - 07:52 م


د. علي غالب حسن الصبيحي
بقلم: د. علي غالب حسن الصبيحي
ارشيف الكاتب

لا أدري لماذا - غالبًا- لاتسوقني قدماي إلى مرتع صباي ومسقط رأسي إلا مرافقًا لنعوش الأصدقاء والأهل والأحباب، حتى لكأن الدنيا تريد أن تقول لنا:

( أنا الدنيا وليس لي صاحب، وليس لي عهد مع أحد، وماهذه الدموع المسكوبة على الراحلين بين الفينة والأخرى، إلا شبيه بموَّال يحمل لنا الإنذار بأننا اليوم نَحْمِل النعوش وغدا سوف نُحْمَل.


عادل عبدالله راشد: أيها الجرح الغائر والوجع الكبييييير.


أبا علي وعبد الملك وبشار

بعت دنياك لآخرتك، وأنفقت أرضك وهي أغلى ماتملكه في دنياك بعد أهلك وأسرتك لتسقينا وتسقي المواشي والصغار والكبار والهوام والحشرات وكل مايدب على وجه هذه البسيطة، وأهملت نفسك وجازفت بها في جهد مضاعف، ووصلت الليل بالنهار ولم نكن ندري أن قلبك الكبير الذي يسهر من أجلنا ويتفقدنا من الحر والضمأ قد أنهكته آلام الحياةِ وأوجاعها، ولم يدّخر صاحبه قيمة حبة دواء للضغط أو إسبرين، ونحن عنه غافلون.


كم أنت كبير إذ أخفيت وجعك، وحمَّلت قلبَك ضمأ الحياة ،حتى انسدَّت شرايينه، لأنك وصلت شراييننا وماباليت ولا انحنييت ، وسقطتَ مغشيًا عليك وأنت ترسل ضخات الماء لنا معشر البخلاء والجبناء ولم نكن ندري بحالك.


غصةٌ في الحلق، ومرارة تعتصر القلوب يا أيها الراحل الغالي، وطيور وعصافير تستقي وتغرد من ينبوع الحياة الذي وهبته لنا ، لكنها- أي تلك العصافير - حزينة اليوم لرحيلك.


أي شموخ واجهت به موتك، وأي فلسفة علمتنا اياها بأنك وهبت الحياة لكل من يدب على هذه الأرض، واخترت لقلبك الذبول والموت.


أو آه ياعادل: أيها الراحل العزيز كم جرعنا الدهر المرارات:


ويادهرُ كم جرعتني فقد صاحبٍ


بكأس النوى من بعد فقد صاحبي.


رباه رباه:

رحل إليك أخي وصديق طفولتي عادل، وقد وهب أرضه كاملة ليحفر فيها بئرا تينع منه أغصان الحياة قاطبة، ونسي في غمرة سُكرهِ بحب هذا الخير أن يسقي قلبه وشرايينه ونحن عنه غافلون، فعوّضهُ ياربي صخبةً خيرا منا، وابنِ له دارًا خيرا من دار الشقاء التي أجهد قلبه فيها ليسقي كل مخلوقات ربي على هذه الأرض.

نسيناك وغفلنا عنك ولم نبحث لك عن حبة إسبرين لقلبك الكبير الذي اتسع لنا وذبُل فجأةً كم يذبل الورد، فمتَ وأنت تتحدث إلينا شامخًا مطمئنًا ، حتى لكأنما كنت مستعجلا وشغوفا ومتطلعا للقاء ربك، الذي نسأله في علاه أن يعوضك بنعيمٍ وأرضٍ وبئرٍ ودارٍ وحورٍ هناك عنده في دار السلام، وعنده هو من لاتضيع عنده الأجور.

مات البشوش الودود الذي كان يوزع الابتسامات وظروف الحياة تطحنه ولايحس به أحد.

مات الشهم الغيور، ومات من كان يحفر القبور للناس ويشق اللحود ويفني روحه جهدًا ولايبالي، وهانحن الآن قد عجزنا عن استكمال حفر قبره على مضضٍ منا وأودعناه فيه جسدا لتبقى روحه عالقة في كل منزل كلما ارتوت أرواحنا واستبردت أجسادنا بذاك السلسبيل الذي وهبه لنا وذهب.


رحمة ربي تغشاك.


د. علي غالب حسن.

عدن 4 إبريل 2026م.