مسودة وثيقة تهامة… بين الجدل وسوء الفهم-.

الأحد - 29 مارس 2026 - 10:18 م


عبدالمجيد زبح
بقلم: عبدالمجيد زبح
ارشيف الكاتب


تشهد الساحة التهامية في الآونة الأخيرة حالة من الجدل الواسع حول مسودة وثيقة تهامة، حتى بدا وكأن المجتمع التهامي يمر بارتباك سياسي في كيفية التعامل مع مثل هذه المبادرات.

وهذا الجدل يكشف في الحقيقة عن خلل أعمق نحتاج إلى إدراكه ومعالجته، وهو الخلل الذي كثيراً ما أدى في السابق إلى تعثر كثير من الأعمال والمبادرات التي تسعى إلى جمع الكلمة ولمّ الشتات وتوحيد الصف.


لكن قبل إصدار الأحكام المتسرعة أو إعلان فشل أي مبادرة، من الضروري أولاً فهم طبيعة ما نتحدث عنه: ما معنى "مسودة وثيقة؟ وهل هي وثيقة نهائية ملزمة أو صالحة للتطبيق؟


في الحقيقة، المسودة ليست وثيقة نهائية، بل هي عمل أولي تم إعداده بعد جمع عدد من الأفكار والوثائق والرؤي والمبادرات. وهي صياغة أولية تهدف إلى وضع إطار عام للفكرة، لكنها بطبيعتها لا تكون مكتملة، وغالباً ما تغفل كثير من الجوانب المهمة وتحتاج إلى تعديل و التطوير.


ولهذا السبب تحديداً تسمى "مسودة". فلو كانت مكتملة وصالحة للتطبيق مباشرة لما سميت مسودة أصلاً.


فالمسودة تعرض على الناس بهدف مراجعتها ونقدها ومناقشتها وإثرائها، وتصويب ما فيها من أخطاء، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وإضافة ما قد يكون غاب عن القائمين عليها. كما أن المكونات الاجتماعية والشخصيات السياسية وأصحاب الخبرة والمعرفة يقع عليهم دور مهم في هذا الجانب، من خلال تقديم الملاحظات والتعديلات والإضافات التي تجعل الوثيقة أكثر اكتمالاً وواقعية.


العمل السياسي الصحيح لا يقوم على اتخاذ موقف سريع بمجرد الاطلاع الأولي على نص ما، وكأنه أصبح حكماً نهائياً أو قراراً ملزماً. بل إن روح العمل السياسي الحقيقي تقوم على المشاركة في التصحيح والتطوير. فالمسودة لم تعرض إلا لكي يتم تصويب ما فيها من خلل، وإضافة ما ينقصها، وتقوية كل جوانبها الضعيفة.


ومن هنا فإن التعامل السليم مع مسودة وثيقة تهامة ينبغي أن يكون من منطلق المساهمة في تحسينها، لا من باب رفضها أو مقاطعتها. فالأصح أن يتعامل التهامي معها بوصفه مشاركاً في صياغتها وتصحيحها، لا ناقداً من الخارج يكتفي بالرفض.


وهذا هو الأسلوب المتبع في إعداد الوثائق السياسية والرؤى المجتمعية في مختلف أنحاء العالم. فلا تعتمد أي وثيقة نهائية إلا بعد مراحل متعددة من المراجعة والنقاش والتعديل، وبعد أن يطّلع عليها المجتمع المعني بها ويشارك في تطويرها، حتى تصبح وثيقة تعبّر عنه فعلاً وتمثله بصدق.


وعندما تصل الوثيقة إلى تلك المرحلة من النضج والتوافق، يمكن عندها اعتمادها والإقرار بها باعتبارها وثيقة تمثل المجتمع وتستحق أن يعمل بها الجميع.


أما الاعتقاد بأن ما صيغ في المسودة هو نص نافذ أو قرار نهائي، فهو فهم غير دقيق لطبيعة العمل الوثائقي. فالمسودة في جوهرها اجتهاد أولي، قد يحتوي على الصواب والخطأ معاً، وفيه نقص يحتاج إلى استكمال، وهو بطبيعته مفتوح للتصحيح والإضافة.


وفي الوقت نفسه يجب التأكيد على أن الوثائق السياسية ليست نصوصاً مقدسة. فهي ليست قرآناً منزلاً، بل اجتهاد بشري قابل للنقاش والتطوير. لذلك فإن من لم تتوافق معه كثير من تفاصيلها عليه تصحيح وتصويب ما يستحق التصحيح فالمسودة في مرحلة الطرح والنقاش والتعديل والتصحيح .


وفي تجارب المجتمعات المختلفة، قد تستغرق عملية إعداد الوثائق السياسية أو المجتمعية شهوراً طويلة من الحوار والنقاش قبل الوصول إلى صياغة نهائية متوازنة تشمل مختلف الجوانب:النضالية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية والسياسية والقانونية.


وبعد اكتمال الصياغة النهائية، من الطبيعي أن تُعرض مثل هذه الوثائق على لجان استشارية وأكاديمية متخصصة لمراجعتها وضبط جوانبها القانونية والسياسية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية، والتأكد من دقة المصطلحات المستخدمة فيها.


وفي الختام، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل التهاميين، ليس في رفض المسودة أو مهاجمتها، بل في الإسهام في إصلاح ما فيها من خلَل، وتصحيح أخطائها، واستكمال ما ينقصها. فبمثل هذه الروح التشاركية فقط يمكن أن تتحول أي مسودة إلى وثيقة ناضجة تعبّر عن الجميع وتخدم مستقبل تهامة.