حين تنسى عدن أحد أهم وجوهها الحضارية

السبت - 28 مارس 2026 - 08:26 م


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

مرّ 27 مارس، يوم المسرح العالمي، هذا العام بصمتٍ مؤلم، وكأن المناسبة لا تعنينا، وكأنها لا تمس جزءًا أصيلًا من ذاكرة عدن والجنوب وتاريخهما الثقافي والمدني.

لا فعالية تُذكر،

لا احتفاء يليق بالمناسبة،

لا حضور من الجهات المختصة،

ولا حتى استحضار رمزي لقيمة المسرح في حياة الناس وفي تكوين الوعي العام.

وهنا لا نتحدث عن مناسبة هامشية أو نشاط ترفيهي عابر، بل عن واحدة من أهم المناسبات الثقافية التي كانت تحتل مكانة خاصة في الوجدان العدني والجنوبي، وكانت تُعامل بوصفها حدثًا وطنيًا وثقافيًا يستحق الحضور والرعاية والاهتمام.

لقد تعودت عدن، ومعها الأجيال التي سبقتنا، أن يكون يوم المسرح العالمي يومًا استثنائيًا من كل عام، تُقام فيه الأنشطة والاحتفاليات والعروض، وتُكرَّم فيه الشخصيات الإبداعية والمسرحية، وتُنظم فيه المهرجانات والمسابقات، وتُمنح فيه الجوائز لأفضل نص، وأفضل أداء، وأفضل إخراج، وأفضل عمل مسرحي، في مشهدٍ كانت تشارك فيه المؤسسات الثقافية والمسرحية بوصفه عرسًا مدنيًا وثقافيًا يليق بمدينة بحجم عدن وتاريخها.

ولم يكن هذا الاحتفاء مجرد نشاط بروتوكولي أو ترف ثقافي يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة، بل كان يُنظر إليه باعتباره جزءًا من صورة المجتمع والدولة معًا؛ لأن المجتمعات الحية لا تتخلى عن الثقافة، حتى وهي تواجه أصعب الظروف، بل تتمسك بها بوصفها إحدى أدوات البقاء والمعنى والمقاومة.

ومن يعرف تاريخ هذه المناسبة في عدن والجنوب، يدرك جيدًا مدى المكانة التي كان يحظى بها المسرح في الوعي العام والرسمي.

فالمناسبات المسرحية الكبرى لم تكن تُترك على هامش الحياة العامة، بل كانت تُقاوم وتُصان بحضور رأس السلطة نفسه، في دلالة واضحة على أن المسرح لم يكن فنًا ثانويًا، بل مكونًا من مكونات الهيبة الثقافية للدولة والمجتمع.

ويُروى، في هذا السياق، أنه في عام 1980م جرى اعتماد أن يفتتح المهرجان عبد الفتاح إسماعيل، وأن يُختتم بحضور علي ناصر محمد، في رسالة سياسية وثقافية عميقة المعنى، مفادها أن المسرح مناسبة ذات أهمية عليا، لا يجوز أن تُلغى أو تُهمَّش، حتى في أصعب الظروف.

وهذا وحده يكفي ليدل على حجم التقدير الذي كانت تحظى به الثقافة، وحجم الفارق بين زمنٍ كان يرى في المسرح قيمة وطنية، وزمنٍ صار يمر فيه يوم المسرح العالمي بلا اكتراث.

إن الحديث عن المسرح هنا ليس حديثًا عن الخشبة فقط، ولا عن الستارة والديكور والإضاءة، بل عن المعنى العميق الذي يمثله المسرح في حياة الأمم.

فالمسرح هو مرآة المجتمع،

وهو فضاء النقد،

ومنصة الوعي،

ومدرسة الذائقة،

وأحد أهم أدوات تهذيب الحس العام، وصناعة الإنسان المدني.

ولهذا فإن تغييب المسرح، أو التعامل معه كأمر زائد عن الحاجة، لا يعكس فقط تراجع النشاط الفني، بل يكشف عن أزمة أعمق في بنية الوعي الرسمي والاجتماعي معًا.

لأن السلطة التي لا ترى الثقافة أولوية، هي سلطة لا تدرك أن المجتمعات لا تُبنى فقط بالخطاب السياسي ولا بالقوة، بل تُبنى أيضًا بالكتاب، والمسرح، والجامعة، والفن، وبكل ما يصنع الإنسان من الداخل.

والأخطر من تقصير المؤسسات الثقافية، أن يبدأ المجتمع نفسه بالتعايش مع هذا الغياب، وكأنه أمر طبيعي.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

فحين يمر يوم المسرح العالمي دون أن نشعر أننا فقدنا شيئًا مهمًا، فهذه ليست مشكلة نشاط غاب، بل مشكلة إحساس ثقافي يتآكل، ووعي عام يتراجع، ومدينة تفقد بالتدريج بعضًا من روحها المدنية التي كانت تميزها.

وما يزيد من مرارة هذا المشهد أن عدن ليست مدينة عابرة في تاريخ المسرح، بل هي أول مدينة عرفت المسرح في الجزيرة العربية منذ عام ١٩٠٤م، وهذه ليست مجرد معلومة للافتخار، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية وثقافية.

فمدينة بهذا الإرث لا يليق بها أن تنسى المسرح، ولا أن تمر عليها مناسبة كهذه وكأنها بلا ذاكرة، أو بلا مؤسسات، أو بلا نخب ثقافية تدافع عن الحد الأدنى من حضور الفن والمعنى.

إن الحرب والصراع والفساد والانهيار الإداري قد تفسر كثيرًا من أوجه العجز، لكنها لا تبرر الاستسلام الكامل لهذا التصحر الثقافي.

بل على العكس، كلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى المسرح، وإلى الثقافة عمومًا، لأن الثقافة ليست كماليات زمن الرخاء، بل هي وسيلة المجتمع للدفاع عن روحه حين تضيق به الحياة.

إننا حين نرثي غياب يوم المسرح العالمي، فإننا في الحقيقة نرثي تراجع الإحساس العام بقيمة الثقافة نفسها.

ونرثي زمنًا كانت فيه عدن تعرف كيف تحتفي بالمسرح، وكيف تجعل من الفن شأنًا عامًا، وكيف تمنح المبدعين مكانتهم التي يستحقونها.

ويبقى السؤال المؤلم:

إذا كنا قد فقدنا حتى قدرتنا على تذكر المسرح والاحتفاء به، فماذا بقي من صورتنا الثقافية التي كنا نفاخر بها؟

إن المجتمع الذي يفقد إحساسه بالمسرح، يفقد بالتدريج إحساسه بالجمال، وبالنقد، وبالفكر، وبالحياة.

وحين تُترك الثقافة لتذبل، فإن الذي يذبل معها ليس الفن وحده، بل الإنسان نفسه.

رحم الله زمنًا كانت فيه عدن تحتفل بالثقافة كما تحتفل بذاتها.