حضرنا اليوم توزيع السلة الغذائية للمتقاعدين من كوادر وقامات التربية والتعليم في عدن، فكان المشهد مؤلمًا إلى حدٍ لا يوصف.
زملاء أفاضل، أفنوا أعمارهم في خدمة الأجيال، وجدناهم متعبين، منهكين، أكل الدهر منهم وشرب، أنهكتهم الأمراض والشيخوخة، وجاءت بهم الحاجة إلى طابور انتظار لا يليق بتاريخهم ولا بعطائهم.
الأمر الإيجابي الذي يُحسب، حضور ومتابعة كل من نوال جواد مديرة مكتب التربية والتعليم بعدن، وعوض مبجر وكيل المحافظة لشؤون التربية، وحرصهما على متابعة عملية التوزيع رغم ما شابها من تأخير نتيجة عدم الاستعداد المسبق، الأمر الذي تسبب في تزاحمٍ أتعب من لا قدرة لهم على الوقوف طويلًا.
لكن الحقيقة الأعمق أن حضور المسؤولين – مع أهميته – لا يخفي جوهر القضية:
كيف وصل المعلم، الذي كان يومًا رمز الهيبة والاحترام، إلى أن يصبح محتاجًا لسلة غذائية؟
عشر سنوات من العبث، والصراعات، وتفكيك مؤسسات الدولة، والتدمير الممنهج لفكرة الدولة نفسها، أفرغت الرواتب من قيمتها، وأفقدت الناس مستحقاتهم، وحولت الحقوق إلى مساعدات، والاستحقاقات إلى مِنح.
المعلم لا يحتاج صدقة، بل يحتاج نظامًا عادلًا يعيد له حقه.
لا يحتاج سلة غذائية، بل راتبًا يكفيه ودواءً يصونه وتأمينًا يحفظ كرامته.
إن ما رأيناه اليوم ليس مشهد فقر أفراد، بل نتيجة فقر إدارة، وفقر رؤية، وفقر دولة.
ويبقى السؤال المؤلم:
إذا كان من علّم الأجيال يقف اليوم في طابور الحاجة، فماذا ننتظر لمستقبل التعليم؟
رحم الله زمنًا كان فيه المعلم عنوانًا للكرامة،
ونسأل الله أن يأتي زمن تعود فيه تلك الكرامة حقًا لا منّة.