تهامة وصراع المنهج فهل ينتصر الانضباط المؤسسي ام تبتلعها الفئوية......

الإثنين - 23 فبراير 2026 - 11:32 م


عبدالمجيد زبح
بقلم: عبدالمجيد زبح
ارشيف الكاتب


عبدالمجيد زبح....


في المشهد السياسي في تهامة تتكرر معضلة قديمة بلباس جديد هل يبنى المشروع على المؤسسية والانضباط ام يترك عرضة للاختطاف الداخلي بذريعة المبادرة الفردية والتمثيل الذاتي التجارب السياسية تؤكد ان اي كيان يفقد بوصلته التنظيمية يتحول من قوة ضغط فاعلة الى ساحة صراع مفتوح مهما كانت عدالة قضيته او صدق شعاراته.


والازمة في تهامة ليست في غياب الطاقات ولا في ضعف الحضور بل في هشاشة ثقافة الامتثال للقيادة حين لا تنسجم قراراتها مع المزاج الشخصي او الحسابات الضيقة فيتحول الاختلاف في بعض الاحيان من نقاش داخلي الى تحرك مواز او خطاب منفصل وكأن الالتزام خيار مرتبط بالرضا لا بالمبدأ وهذا السلوك لا يعكس حيوية سياسية بل يكشف خللا بنيويا يهدد اي مشروع جماعي وتتحول الحركة من حالة التنظيم الى حالة سيولة ومن مشروع جامع الى منصات متجاورة لا يجمعها الا الاسم.


فعندما يتقدم بعض الافراد بخطاب يوحي بانهم التعبير الكامل عن المشروع دون تفويض صريح او اطار تنظيمي واضح فالمسألة ليست مجرد نشاط زائد بل اشكالية شرعية والشرعية لا تستمد من الصوت الاعلى ولا من كثافة الظهور الاعلامي ولا من التحرك المنفرد مصدرها الوحيد هو الاجماع الداخلي والاليات المعتمدة لاتخاذ القرار وتجاوز هذه الاسس يخلق انقساما وظيفيا حتى وان لم يعلن رسميا.


فالتحرك خارج مسار التنسيق ليس اجتهادا سياسيا مشروعا بل اعادة تعريف غير منضبطة للمشروع نفسه فالعمل الجماعي يقوم على وحدة الخطاب والقرار واذا صار لكل طرف مساره الخاص وروايته الخاصة فان ذلك يعني عمليا تفكيك البنية من الداخل حتى لو بقيت الشعارات متشابهة وتعدد المرجعيات داخل الكيان الواحد لا ينتج تنوعا صحيا بل يرسخ التشتت ويضعف الموقع التفاوضي ويهز الصورة امام الجمهور.


وتفاقم هذا الخلل في ظل صعود لغة الفئوية التي اصبحت لونا طاغيا في المشهد التهامي واصبح يختزل المشروع العام في دوائر ضيقة ويتقدم الولاء الجزئي على الهدف الجامع يتآكل الانضباط ويتراجع الخطاب الموحد الفئوية ليست مجرد اختلاف في الرأي بل انحراف عن بوصلة الهدف العام ومع كل تصعيد فئوي تتآكل الثقة داخليا وخارجيا.


وهناك فرق واضح بين النقد الداخلي ومحاولة فرض امر واقع فالنقد يمارس داخل الاطار التنظيمي ويهدف الى التصحيح اما فرض الذات عبر تحركات منفصلة او ادعاء تمثيل منفرد فيحول الخلاف الى صراع على الهوية وليس كل من تصدر المشهد ممثلا شرعيا ولا كل من تحرك منفردا صار قائدا بحكم الواقع.


التجربة السابقة في تهامة كانت دليلا عمليا على ذلك محاولات الالتفاف على القيادة او القفز فوقها لم تنتج بديلا اكثر تماسكا بل خلقت ارتباكا وانقساما واضعفت تهامة نفسها تشتت الخطاب وتضارب المواقف وافقد القضية وضوحها واهدر طاقة كان يفترض ان توجه لتعزيز الحضور السياسي التجربة اثبتت ان تجاوز القيادة لا يصنع شرعية بل يضعف الصف ويترك فراغا لا يملأ.


المسألة ليست صراع اشخاص بل صراع منهج اما ان يسود مبدأ الانضباط المؤسسي حيث يتخذ القرار وفق الية واضحة ويحترم بعد صدوره او يتحول العمل العام الى تنافس فردي يستهلك نفسه من الداخل ولا يمكن الجمع بين مشروع جماعي وثقافة الالتزام الانتقائي الصراع الحقيقي اليوم ليس بين اشخاص بل بين ثقافتين سياسيتين ثقافة تؤمن بالقرار الجماعي والانضباط وثقافة اخرى تجعل الالتزام انتقائيا وترى في التحرك الفردي ممارسة شرعية متى ما خالف القرار التوقعات.


فالكيانات السياسية التي لا تحسم علاقتها بمفهوم الامتثال تتحول سريعا الى كيانات رمزية بلا تأثير فعلي فحين تتعدد المرجعيات داخل الاطار الواحد تضيع الرسالة ويضعف الموقف التفاوضي ويتراجع الحضور في اي معادلة سياسية الخصوم لا يحتاجون الى مواجهة مباشرة يكفيهم الانتظار حتى ينهك الداخل نفسه.


تهامة اليوم امام اختبار نضج سياسي حقيقي من يتحدث باسمها ومن يقرر وعلى اي اساس الاجابة الواضحة ليست ترفا تنظيميا بل شرط بقاء الغموض في هذه المسائل يفتح الباب للطموحات الفردية ويقوض الثقة في الكيان كله المؤسسية لا تعني الغاء النقد بل تنظيمه ولا تعني الصمت على الخطأ بل معالجته ضمن الاطار اما القفز الى الخارج عند كل خلاف فهو اعلان غير مباشر بان الانتماء مشروط وان المشروع وسيلة لا غاية.


والامتثال للقيادة ليس خضوعا اعمى بل التزاما بعقد داخلي يحفظ وحدة الصف والسياسة ليست ساحة لاثبات الذات بل مسؤولية تجاه جمهور وثق بمشروع ومسار دون انضباط حقيقي ووحدة مرجعية واضحة ستظل تهامة تدور في دائرة الاستنزاف الداخلي مهما ارتفعت الشعارات ومهما تعددت المنصات.