في البداية، لا بد من توجيه الشكر لمديري عموم المكاتب التنفيذية ومديري عموم المديريات في محافظة أبين على ما قدموه خلال سنوات عملهم، فقد عملوا في ظروف استثنائية ومراحل بالغة الصعوبة، كان لها أثرها على مستوى الأداء والإنجاز ، ولهم، كغيرهم، ما يُحسب لهم من إيجابيات وما يُؤخذ عليهم من سلبيات، وفقًا لواقع البلاد وإدارة المحافظة في مراحل سابقة اتسمت بعقلية تقليدية وأدوات مختلفة ، وإن وُجدت هناك أخطاء، فذلك أمر لا يخلو منه أي عمل بشري، فالكمال لله وحده، والخطأ جزء من طبيعة المؤسسات والأفراد.
لكن التغيير سنة من سنن الحياة، والكرسي لا يدوم لأحد ، وقد آن الأوان لأن تنعم أبين بكفاءات جديدة تمتلك الرؤية والقدرة على مواكبة متطلبات المرحلة ، فبعض المكاتب التنفيذية استنزفتها سنوات طويلة من الجمود، حتى تجاوزت مدة بقاء بعض القيادات فيها ثلاثة عقود، دون أن تواكب التطورات الحديثة في الإدارة أو تستجيب لمتغيرات الواقع، الأمر الذي انعكس على مستوى الأداء والخدمات.
أبين ليست محافظة عادية يمكن معالجة مشكلاتها بحلول تقليدية، بل تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، أو ما يمكن وصفه بـ(إعادة ضبط المصنع) لكافة مفاصلها الإدارية والتنموية والاجتماعية.
فما مرت به المحافظة خلال العقود الماضية لم يؤثر فقط على مؤسسات الدولة فحسب، بل امتد أثره إلى المجتمع ذاته وسلوكياته، حتى أصبحت بعض المظاهر السلبية أشبه بعادات متجذرة يصعب التخلص منها.
في أبين تراجعت هيبة القانون، وغاب حضور النظام، وتراجعت منظومة القيم والتكافل الاجتماعي، وضعفت ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يبق سوى ما تتمسك به بعض البنى القبلية من إرث اجتماعي يحاول الحفاظ على ما تبقى من التماسك ، غير أن التحولات التي شهدها الجيل الجديد جعلت حتى القبيلة في كثير من الأحيان عاجزة عن احتواء بعض السلوكيات أو ضبطها كما كان في السابق.
خلال العقدين الماضيين، تحولت أبين إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية وصراعات القوى المتنافسة، ودفعت المحافظة ومجتمعها ثمنًا باهظًا لذلك ، كما تمدد الفساد حتى أصبح جزءًا من المشهد العام، وهو ما ساهم في ترسيخ واقع معقد ومتجذر، يحتاج إلى إرادة حقيقية وصبر طويل لمعالجته.
في خضم هذا الواقع، يقود سيادة محافظ أبين د. مختار الرباش الهيثمي مشروعًا يبدو أقرب إلى ثورة إصلاحية شاملة لإعادة بناء المحافظة وإعادة تعريفها من جديد ، وهي مهمة ليست سهلة، بل تمثل مخاضًا عسيرًا لن ينتهي بين ليلة وضحاها ، غير أن وضوح الهدف، والعمل المتدرج، والإيمان بإمكانية التغيير، كلها عوامل تمنح المشروع فرصة حقيقية للنجاح.
ويختصر شعار المحافظ الذي رفعه منذ اليوم الأول الذي تسلم فيه المحافظة : (هيبة تُصان... وتنمية تُبن) وهي فلسفة هذه المرحلة وما يُراد لها أن تكون، وهي رسالة تبعث في نفوس أبناء أبين شيئًا من التفاؤل بعهد مختلف.
تمتلك أبين من المقومات والموارد الطبيعية والاقتصادية ما يؤهلها لأن تكون وجهك استثمارية وواحدة من أكثر المحافظات ازدهارًا إذا ما أُحسن استثمار مواردها ، فهي تزخر بثروات وإمكانات كبيرة، ولو وُضعت ضمن رؤية تنموية حقيقية، فإنها قادرة على تحقيق نهضة تجعلها تنافس نماذج ناجحة تتجاوز حدود المقارنة بالمحافظات اليمنية الأخرى.
ومن المؤشرات اللافتة في المرحلة الحالية توجه قيادة المحافظة نحو تمكين الكفاءات المؤهلة والنزيهة، خصوصًا من فئة الشباب، والبحث عن الطاقات القادرة على قيادة المؤسسات كلٌ في مجال تخصصه، وهو توجه يعكس إيمانًا بأن التنمية تبدأ بالموارد البشرية قبل أي شيء آخر.
وربما تحتاج أبين إلى وقت حتى تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس، فالمشروعات الكبرى لا تُنجز في أشهر، بل تحتاج إلى بيئة مستقرة ودعم حكومي حقيقي، وإسناد من الأشقاء والأصدقاء، وقبل ذلك كله إلى استقرار سياسي شامل يعيد للدولة حضورها ولمؤسساتها قدرتها على العمل ، وعندها فقط، يمكن لأبين أن تستعيد مكانتها الطبيعية، وأن تفتح صفحة جديدة عنوانها التنمية، وسيادة القانون، وبناء الإنسان.
محمد مهيم