حيـن يرتفـع كل شـيء... ويبقى الموظـف وحـده ثابـتًا

قبل 9 ساعات


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب


الكل يرفـع سعر سلعته كلما تغيرت الظروف، إلا الموظف؛ فهو وحده لا يملك أن يرفع قيمة جهده أو يزيد من راتبه، لأنه مقيد بقرار حكومي جامد، لا يعرف معنى التضخم، ولا تقلبات الحياة.


فـيا حكومـة بـلادي... إذا كانت الأسواق تبيح للجميع رفع أسعارهم، فارفعي أيضًا قيمة الموظف؛ حتى يستطيع مجاراة هذا السيل المتواصل من الزيادات، وحتى لا يبقى راتبه هو الرقم الوحيد الذي لا يتغير، بينما تتغير كل الأرقام من حوله.


لـقد أصبح المشهد الاقتصادي في اليمن يختزل مفارقة قاسية؛ فالتاجر يراجع قائمة أسعاره كلما ارتفع سعر الصرف، وصاحب العقار يرفع قيمة الإيجار، ومالك المدرسة الأهلية يزيد الرسوم، وأصحاب الخدمات يعيدون تسعير أعمالهم بما يتلاءم مع الواقع الجديد. بينما يقـف الموظف الحكومي عاجزًا عن مراجعة قيمة عمله؛ لأن راتبه ليس قرارًا يملكه، وإنما رقم جامد يتآكل بصمت مع كل موجة غلاء، حتى باتت القوة الشرائية لذلك الراتب تتراجع يومًا بعد آخر، دون أن يجد من يعيد إليها شيئًا من التوازن.


وهـنا تكـمن جوهر المشكلة؛ فالدولة التي تضطلع بمسؤولية حماية موظفيها، مطالبة بأن تجعل سياساتها المالية متناغمة مع الواقع الاقتصادي. لأن بقاء الرواتب عند مستوياتها القديمة، في ظل تضخم متسارع وانخفاض مستمر في قيمة العملة، يعني عمليًا تحميل الموظف وحده كلفة الأزمات الاقتصادية، بينما تُترك بقية القطاعات لتتكيف مع المتغيرات وفق آليات السوق.


إن الموظـف العام ليس مجرد متقاضٍ لراتب شهري، بل هو الطبيب الذي يعالج، والمعلم الذي يبني الأجيال، والأستاذ الجامعي الذي يصنع المعرفة، والقاضي الذي يرسخ العدالة، والمهندس الذي يشيد مؤسسات الدولة، والجندي الذي يحرس الأمن، والموظف الإداري الذي تستقيم به مصالح الناس.


وإذا ضعـف هذا الإنسان اقتصاديًا، فإن آثار ذلك لا تتوقف عند حدود معيشته الشخصية، بل تمتد إلى جودة الخدمات العامة، واستقرار مؤسسات الدولة، وثقة المجتمع بها.


وفي اليـمن، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية مع التحديات السياسية والإنسانية، تصبح مراجعة سياسة الأجور ضرورة وطنية لا ترفًا إداريًا.


فـ الإصـلاح الحقيقي لا يبدأ من زيادة الرسوم والجبايات، وإنما يبدأ من حماية القوة الشرائية للمواطن، وفي مقدمتهم الموظف الذي لا يملك وسيلة لتعويض خسائره اليومية إلا ما تقرره الدولة.


إن العـدالة الاقتصادية لا تعني تثبيت الرواتب في زمن تتحرك فيه الأسعار كل ساعة، وإنما تعني أن يكون هناك توازن بين الدخل وتكاليف المعيشة، وأن تخضع الرواتب لمراجعات دورية تراعي معدلات التضخم؛ حتى لا يتحول الموظف إلى الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية يتحمل أعباءها وحده.


ولـعل أخـطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة، هو أن يفقد موظفوها الأمل في أن يشعر أحد بمعاناتهم.


فـ الإحـباط المعيشي لا ينعكس على الفرد فحسب، بل ينعكس على الأداء المؤسسي، ومستوى الإنتاج، وشعور المواطن بأن الدولة ما زالت قادرة على الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه من يحملون أعباءها اليومية.


إن بـناء الدولة لا يكون فقط بإصلاح الاقتصاد الكلي، أو تحقيق الاستقرار النقدي، بل يبدأ أيضًا من إنصاف الإنسان الذي يدير مؤسساتها.


فـالموظـف ليس عبئًا على الموازنة، وإنما هو استثمار في استقرار الدولة، وكل سياسة تحافظ على كرامته المعيشية، هي في حقيقتها سياسة لحماية الوطن نفسه.


ويبـقى السـؤال الذي ينتظر إجابة صادقة: إذا كان الجميع يملكون حق مراجعة أسعارهم كلما تبدلت الظروف، فلماذا يبقى الموظف وحده ممنوعًا من أن تراجع الدولة قيمة جهده؟ وكيف يمكن لدولة تطمح إلى التعافي أن تطلب من موظفيها أداءً استثنائيًا، بينما تترك رواتبهم تواجه وحدها عواصف الغلاء؟


إن إنـصاف الموظـف اليوم ليس مطلبًا فئويًا، بل ضرورة وطنية؛ لأن الأوطان لا تنهض بموظف مثقل بالعجز، ولا تستقيم مؤسساتها إذا كان من يديرها يقضي يومه منشغلًا بكيفية تأمين قوت أسرته، قبل أن ينشغل بأداء واجبه.


وحيـن تدرك الدولة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، ستكتشف أن رفع قيمة الموظف ليس منحة، بل هو استحقاق تفرضه العدالة، وضرورة يفرضها بقاء الدولة نفسها.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 18. يوليو. 2026م

.