مشكلتنا أننا أسرى ثقافة تمجيد ما مضى ولعن الحاضر. كلما فشلنا في إدارة واقعنا، هربنا إلى الماضي نبحث فيه عن خلاص وهمي، فنقول: سلام الله على ما راح.
ناضلنا من أجل الخلاص من الاستعمار، وحين تحقق ذلك عجزنا عن إدارة الدولة والاختلاف، فتقاتلنا، ثم ترحّمنا على زمن الاستعمار. عشنا القهر والجوع والفقر، وصبرنا على واقعنا حتى جاءت الوحدة، فهللنا لها، لكننا حين فشلنا في إدارة التعدد السياسي والديمقراطية عدنا للاقتتال، وبدلاً من إصلاح التجربة، بدأنا نترحم على ما قبلها.
ثم ثرنا على نظام حاول أن يعيدنا إلى الوراء، لكننا عجزنا مرة أخرى عن إدارة الثورة، فتقاتلنا، وبدلاً من تصحيح المسار بدأنا نترحم على النظام الذي ثرنا عليه. لاحقاً، قررنا الانفصال، وبعد سنوات من العجز عن إدارة هذا الخيار، دخلنا في صراعات جديدة، وبدلاً من مراجعة الذات، عدنا إلى نفس الحلقة: الحنين للماضي والبحث عن "منقذ" جديد.
المشكلة ليست في الأحداث بحد ذاتها، بل في العقلية التي تديرها. عقلية تعتقد أن القوة وحدها مصدر الشرعية، وأن من ينتصر يحق له أن يبطش، ومن يُهزم يتحول إلى صوت نواح ينتظر فرصة للانتقام. هكذا ندور في حلقة مغلقة: منتصر يمارس الإقصاء، ومهزوم يحلم باستعادة البطش.
هذه الذهنية هي التي أسست لكل هذا الصراع، وهي التي تعيد إنتاجه باستمرار. نحن لا نغيّر أدواتنا ولا أفكارنا، بل نعيد تدوير نفس النخب ونفس الأساليب، وكأن الوطن مزرعة، والشعب قطيع، والسلطة راعٍ يحمل عصا وجزرة.
الحقيقة المؤلمة أن الأوطان لا تُبنى بهذا الشكل. لا تُدار بالقوة الجبرية، ولا بالنعرات، ولا بثقافة الكراهية. الأوطان تنهض بالعقول، بالكفاءات، بالمؤسسات، وبالقدرة على إدارة الاختلاف لا سحقه.
ما لم ندرك أن المشكلة في طريقة تفكيرنا قبل أن تكون في خصومنا، سنظل نردد نفس العبارة في كل مرحلة: سلام الله على ما راح… بينما يضيع ما هو آتٍ.
احمد حميدان