شكوى لوزارة الدفاع وتحرك رئاسي واستدعاءات للتفتيش وإخلاء للعهدة.. ثم عودة مفاجئة تفتح ملف التحقيقات وثقة الجيش والمتضررين بالقضاء
مأرب – تقرير خاص
أعادت عودة القاضي عبدربه جار الله حازب إلى منصة القضاء في محكمة مأرب الابتدائية فتح ملف كان قد دخل، قبل أسابيع، مرحلة متقدمة من الإجراءات القضائية والتفتيشية، إثر شكوى رسمية من وزارة الدفاع وتحرك رئاسي واستدعاءات من هيئة التفتيش القضائي، وصولًا إلى مذكرة لنيابة استئناف مأرب تضمنت توصيفًا جنائيًا بالغ الخطورة لما ورد في أحد أحكامه بشأن مليشيات الحوثي.
ولم يعد السؤال المطروح اليوم مقتصرًا على أسباب عودة القاضي إلى عمله، بل يمتد إلى مصير الإجراءات كافة التي سبقت تلك العودة: أين انتهت شكوى وزارة الدفاع؟ وما مآل مذكرة النيابة وتحقيقات التفتيش القضائي؟ وهل حُسم الملف أم أن القضية ما تزال مفتوحة؟
من حكم قضائي إلى ملف أمام النيابة
بدأت القضية تتجاوز حدود الحكم القضائي بعد أن نشر الصحفي أنيس منصور، رئيس تحرير موقع «هنا عدن»، تفاصيل حكم وصف فيه القاضي حازب جماعة الحوثي بأنها «مكون سياسي»، واعتبر الانتماء إليها غير مجرّم بذاته.
وأثار الحكم جدلًا واسعًا، لا سيما أنه صدر عن محكمة في مأرب، المحافظة التي كانت إحدى أبرز ساحات المواجهة مع مليشيات الحوثي، واستقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين والمتضررين من الحرب.
وبحسب ما نشره «هنا عدن»، أعقب ذلك تحرك على أكثر من مستوى؛ إذ نُقل عن مصادر مقربة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن الدكتور رشاد العليمي وجّه بمتابعة القضية، فيما تحرك مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي، بالتزامن مع طلب محافظ مأرب عضو مجلس القيادة سلطان العرادة تقريرًا بشأن الواقعة.
وكان الأكثر أهمية دخول وزارة الدفاع على خط القضية عبر شكوى رسمية، وهو ما نقل الملف من دائرة الجدل الإعلامي والقانوني إلى مسار مؤسسي يتعلق أيضًا بتأثير الحكم على القوات المسلحة وموقف الدولة من الجماعة التي تخوض ضدها حربًا.
النيابة: شبهة تحريض على جرائم تمس أمن الدولة
تمثل مذكرة نيابة استئناف مأرب أبرز تطور في القضية.
فبعد دراسة شكوى وزارة الدفاع والمستندات المرفقة بها، واستعراض أحكام وقرارات يمنية وعربية ودولية متعلقة بمليشيات الحوثي، ومن بينها قرار مجلس الدفاع الوطني اليمني رقم (1) لسنة 2022، تناولت النيابة ما ورد في الحكم من اعتبار الجماعة «مكونًا سياسيًا».
ولم تتوقف النيابة، وفق المذكرة، عند الاعتراض على التوصيف القانوني، بل خلصت في رأيها إلى أن ما صدر عن القاضي قد يندرج ضمن التحريض على ارتكاب الجرائم الماسة بأمن الدولة، استنادًا إلى المادة (129) من قانون الجرائم والعقوبات، مع الإشارة إلى ما اعتبرته انعكاسات للحكم على الروح المعنوية للقوات المسلحة.
وبسبب الصفة القضائية للقاضي، أوضحت النيابة أن مباشرة التحقيق تستوجب استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالقضاة والحصول على الإذن اللازم، ووجهت بإرسال الملف إلى مكتب النائب العام مشفوعًا بمذكرتها لاتخاذ ما يلزم.
وهذه نقطة جوهرية؛ فالنيابة لم تتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد خطأ قضائي يمكن تصحيحه بالاستئناف، وإنما رأت وجود شبهة جنائية تستدعي استكمال إجراءات التحقيق.
ومع ذلك، فإن هذا التوصيف يظل رأيًا للنيابة في مرحلة فحص الشكوى، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا بإدانة القاضي.
إخلاء عهدته.. ثم العودة
لاحقًا، دخلت هيئة التفتيش القضائي على خط القضية.
ونقلت منصة «الهدهد اليمني»، عن مصدر قضائي، أن القاضي حازب تلقى استدعاءات من التفتيش القضائي في 20 يوليو و26 أغسطس 2026، تضمنت مطالبته بتسليم القضايا والملفات التي بعهدته إلى رئيس المحكمة.
لكن القاضي عاد بعد ذلك إلى محكمة مأرب الابتدائية وبدأ في ترتيب جلساته، وهو ما أعاد القضية إلى الواجهة بصورة أكثر تعقيدًا.
فالعودة في حد ذاتها لا تعني قانونًا أن القاضي أُدين أو بُرئ، كما أن مجرد تقديم شكوى ضده لا يوجب تلقائيًا منعه من العمل.
لكن التسلسل الذي بدأ بشكوى وزارة الدفاع، ثم مذكرة النيابة، فتحرك التفتيش القضائي وإخلاء العهدة، وانتهى بعودته إلى منصة القضاء، يجعل السؤال مشروعًا: ما الذي حدث بين إخلاء العهدة والعودة إلى العمل؟ وهل انتهى التفتيش إلى قرار أعاده إلى منصبه؟ وهل حُفظت الشكوى؟ وهل عُرض طلب الإذن بالتحقيق عليه أمام مجلس القضاء الأعلى؟ أم أن الإجراءات ما تزال قائمة بينما عاد القاضي لممارسة مهامه؟
حتى الآن، لا تتوافر إجابات رسمية معلنة تحسم هذه الأسئلة.
استياء في أوساط وزارة الدفاع
وبحسب معلومات وردت إلى معدّ التقرير، أثارت عودة القاضي حالة من الاستياء في أوساط داخل وزارة الدفاع، خصوصًا في ظل عدم وضوح مصير الشكوى التي تقدمت بها الوزارة.
فالقضية بالنسبة إلى هذه الأوساط لا تتعلق بخلاف لغوي حول عبارة وردت في حكم، وإنما بتوصيف جماعة تقاتلها القوات المسلحة، بينما انتهت النيابة نفسها إلى رأي قانوني يتحدث عن شبهة جريمة تمس أمن الدولة وتأثير محتمل على معنويات القوات المسلحة.
ولم يصدر، حتى إعداد هذا التقرير، موقف رسمي معلن من وزارة الدفاع بشأن عودة القاضي أو ما آلت إليه شكواها.
كما أثارت العودة انتقادات إعلامية وسياسية. وتناول الكاتب عبدالقادر الجنيد القضية في مقال نشره في 3 سبتمبر 2026، متسائلًا عن الجهة التي سمحت للقاضي بالعودة، ومصير إجراءات التفتيش والشكوى، معتبرًا أن القضية تتجاوز شخص القاضي إلى طريقة إدارة المؤسسات ومتابعة قراراتها.
المشكلة الأعمق: ثقة المتقاضين
لكن الجانب الأكثر حساسية لا يقف عند الإجراءات.
فمأرب تضم آلاف الأسر والعسكريين والنازحين الذين ترتبط تجربتهم مع مليشيات الحوثي بالقتل والإصابة والتهجير وفقدان المنازل والممتلكات.
ومن هنا يطرح الحكم إشكالية تتصل بثقة هؤلاء بمنصة القضاء: كيف سيتعامل متقاضٍ فقد أحد أفراد أسرته أو منزله بسبب الحرب مع قاضٍ سبق أن وصف الجماعة التي قاتلته أو هجّرته بأنها «مكون سياسي»؟
ويزداد السؤال تعقيدًا عندما ينظر القاضي قضايا تكون فيها طبيعة الجماعة أو الانتماء إليها أو دعمها أو ارتكاب أفعال لصالحها جزءًا جوهريًا من النزاع.
ولا يعني ذلك افتراض انحياز القاضي مسبقًا، فكل قضية يجب أن تُفصل وفق وقائعها وأدلتها والقانون المنطبق عليها. لكن الثقة بالقضاء لا تقوم فقط على استقلال القاضي، وإنما كذلك على وضوح الضمانات التي تبدد الشكوك المشروعة بشأن الحياد.
تناقض يحتاج إلى حسم
تطرح القضية كذلك إشكالية أوسع أمام مؤسسات الدولة.
ففي الوقت الذي تحاكم فيه جهات قضائية متهمين بارتكاب أفعال مرتبطة بمليشيات الحوثي، وتتعامل المؤسسات العسكرية والأمنية معها باعتبارها جماعة مسلحة معادية للدولة، ظهر حكم قضائي يصفها بأنها مكون سياسي، ثم جاءت النيابة نفسها لتعتبر ما ورد في الحكم شبهة تحريض على جرائم تمس أمن الدولة.
هذا التباين لا يعني أن كل من ينتمي إلى الجماعة أو يعبّر عن موقف سياسي يرتكب جريمة تلقائيًا؛ فالمسؤولية الجنائية تتطلب نصًا وفعلًا وأدلة وأركانًا قانونية محددة.
لكنه يفرض على القضاء حسم الإشكال القانوني حتى لا تصبح مؤسسات الدولة أمام توصيفات متعارضة لمسألة تمس الأمن والحرب والسلم.
ماذا عن الاستئناف؟
وبحسب معلومات حصل عليها معدّ التقرير، لم تعقد محكمة الاستئناف حتى الآن جلسة للفصل في طعن النيابة العامة على الحكم الذي أثار القضية.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإن أصل الحكم نفسه ما يزال أمام مسار قضائي لم يُحسم.
غير أن الطعن في الحكم شيء، والتحقيق في الشكوى المقدمة ضد القاضي شيء آخر؛ فإلغاء الحكم أو تعديله مستقبلًا لا يجيب تلقائيًا عن مصير مذكرة النيابة أو إجراءات التفتيش أو شكوى وزارة الدفاع.
أسئلة تنتظر الإجابة
أمام مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي والنيابة العامة اليوم أسئلة محددة لا تحتاج إلى تكهنات بقدر ما تحتاج إلى إجابات رسمية:
· بأي قرار عاد القاضي حازب إلى ممارسة عمله؟
· وهل انتهت إجراءات التفتيش التي سبقت إخلاء عهدته؟
· وما مصير ملف وزارة الدفاع الذي أوصت نيابة استئناف مأرب برفعه إلى مكتب النائب العام؟
· وهل طُلب الإذن بالتحقيق مع القاضي، وإذا طُلب فما القرار الذي اتخذ بشأنه؟
· وما مصير طعن النيابة في الحكم الأصلي؟
هذه الأسئلة لا تفترض إدانة القاضي، ولا تنتقص من حقه في الضمانات القانونية واستقلال القضاء، لكنها تصبح مشروعة عندما تجتمع شكوى رسمية لوزارة الدفاع، ورأي للنيابة يتحدث عن شبهة جريمة تمس أمن الدولة، وإجراءات تفتيش وإخلاء عهدة، ثم عودة إلى منصة القضاء دون إعلان يوضح ما حدث.
قضية أكبر من قاضٍ وحكم
لم تعد قضية القاضي حازب متعلقة بعبارة في أسباب حكم فقط.
لقد أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات القضائية على إدارة ملف تتداخل فيه استقلالية القضاء، وضمانات القاضي، والأمن الوطني، وموقف القوات المسلحة، وحقوق المتقاضين، وثقة مجتمع دفع ثمن الحرب.
وإذا كانت الجهات المختصة قد انتهت إلى سلامة موقف القاضي وقررت إعادته إلى عمله، فإن إعلان الأساس القانوني لذلك من شأنه إنهاء جانب كبير من الجدل.
أما إذا كانت الشكوى والتحقيقات ما تزال قائمة، فإن الرأي العام يحتاج إلى معرفة كيف تتوافق عودته إلى منصة القضاء مع الإجراءات التي سبق اتخاذها بحقه.
فالفراغ في المعلومات هو ما يضاعف الشكوك. وفي قضية وصلت إلى وزارة الدفاع والنيابة والتفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى، لم يعد الصمت الإداري كافيًا للإجابة عن سؤال بسيط لكنه جوهري: ماذا حدث للملف، ومن أعاد القاضي حازب إلى منصة القضاء؟