✍️ د.عارف محمد الحوشبي
في ليلة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 لم يولد نظام سياسي جديد فحسب بل ولدت فكرة جديدة للإنسان اليمني بأن يكون مواطنا حرا في وطنه لا رعوي عند حاكم وأن يستمد حقوقه من مواطنته كيمني لا من نسبه أو طبقته أو منطقته أو قربه من السلطة.
ولهذا كان سبتمبر أكثر من مجرد تاريخ في التقويم الانساني بل مثل انتقالا من نظام الإمامة الثيوقراطية إلى الجمهورية ومن فكرة الامتياز الموروث بالنسب إلى مبدأ المواطنة المتساوية. فالجمهورية في معناها الحقيقي تعني أن الدولة ملك للمجتمع وأن القانون والكفاءة والمواطنة هي أساس تولي المسؤولية العامة لا الانتماء إلى سلالة أو بيت بعينه وحين يصبح الإنسان مواطنا تصبح الدولة دولته ومن حقه أن تولي السلطة ومحاسب الحاكم أما حين يكون مجرد رعوي فإن الحاكم يصبح هو الأصل والمجتمع تابعا له.
واليوم يعيد الواقع اليمني السؤال السبتمبري إلى الواجهة فمنذ سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء عام 2014 تصاعد الجدل حول طبيعة المشروع السياسي الذي تبنيه الجماعة ومدى توافقه مع جوهر النظام الجمهوري فبينما تقدم الجماعة أحداث 21 سبتمبر باعتبارها ثورة يرى المراقبون والباحثون أن نموذج الحكم الذي أقامته بعد الانقلاب أعاد إلى المجال السياسي مفاهيم مرتبطة بالولاية والنسب إلى جانب بناء هياكل موازية لمؤسسات الدولة وهنا تظهر المفارقة الكبرى فقد قامت ثورة 26 سبتمبر لإنهاء نظام سياسي ارتبط بامتيازات موروثة بينما عاد سؤال العلاقة بين النسب والسلطة ليطرح نفسه من جديد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من أي مذهب أو منطقة أو أسرة يأتي الحاكم بل من أين يستمد حقه في الحكم؟ هل من المواطن والدستور والمؤسسات أم من تصور يمنح فئة أو نسبا أولوية في القيادة؟ وتزداد دلالة هذا السؤال حين يصبح الاحتفال بثورة ٢٦ سبتمبر نفسه موضع توتر وحين يتعرض مواطنون للاحتجاز بسبب الاحتفال بالذكرى أو رفع العلم الجمهوري وفقا لما وثقته تقارير حقوقية في السنوات الماضية. عندها لا تعود الشعلة التي يوقدها مواطن فوق منزله مجرد احتفال بل تصبح تعبيرا عن ذاكرة سياسية لا تزال حية.
أما معركة الأجيال الجديدة فهي معركة الذاكرة حيث ان هناك جيل لم يعش ثورة سبتمبر ولا يعرف الإمامة إلا من الكتب وحكايات الآباء والأجداد وحين تنقطع ذاكرة الشعوب يصبح من السهل إعادة تقديم الأفكار القديمة بأسماء وشعارات جديدة ولهذا لا يكفي أن نردد أن الجمهورية أفضل من الإمامة بل يجب أن يفهم الجيل الجديد لماذا قامت الثورة أصلا وأن يدرك الفرق بين دولة يكون فيها الإنسان مواطنا متساويا ودولة تتحول فيها السلطة إلى امتياز موروث بالانساب والسلالة وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول الجمهورية نفسها إلى أسطورة منزهة عن النقد فقد عرفت عقودها أخطاء وصراعات وفسادا واستبدادا ولكن إخفاق أنظمة حكمت باسم الجمهورية لا يلغي مبدأ الجمهورية بل يكشف المسافة بين الاسم والممارسة.
اليوم وبعد أربعة وستين عاما لم يعد السؤال الأهم ماذا حدث فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962؟ بل السؤال هو هل بقي سبتمبر حيا في معنى الدولة التي نريدها؟ وهل نريد دولة يكون فيها القانون أعلى من الحاكم والمؤسسة أقوى من الفرد والمواطنة مقدمة على القرابة والنسب؟ أم نقبل أن يعود اليمن تحت أي اسم أو شعار إلى منطق الامتياز السياسي الموروث؟
هنا تتحدد المسافة بين الثورة والنكوص عنها. فسبتمبر لم يقم لكي تتغير أسماء الحكام بل لكي تتغير قاعدة الحكم نفسها.
وما دام هناك من يتمسك بأن اليمني مواطن لا رعوي فإن ال ٢٦ من سبتمبر سيبقى حاضرا لا كذكرى فقط بل كفكرة لم تحسم معركتها بعد.