أرقام المالكي.. لائحة اتهام لا نشرة إحصاء، والصورة شاهد الإثبات

قبل 43 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

حين قال متحدث التحالف للحوثيين في مؤتمره الصحفي الأخير: "اقرأوا البيان جيدًا، واقرأوا ما بين السطور"، كان يسلّمنا مفتاح المؤتمر كله. فالأرقام لم تكن شكوى متضرر ولا جرد حساب، والصور لم تكن مادة للاستهلاك الإعلامي، بل كان ذلك كله لائحة اتهام مكتملة الأركان: الرقم يُدين، والصورة تشهد، والترتيب يحكم.


هندسة المشهد


بدأ اللواء تركي المالكي بالعزاء لأسر الضحايا، ثم عرض المشاهد، ثم الأرقام، ثم الضربات، وختم بالإنذار. تسلسل يرسم صورة دولة تبدأ بالإنسان، وتعرض الدليل، وتُثبت قدرتها، ثم تُحذّر. والانتقال من نبرة المواساة إلى نبرة الحسم رسالة بذاتها: الحزن ليس ضعفًا، والصبر ليس عجزًا.


لكن الحوثي قرأ البيان بالمقلوب؛ فما إن انتهى المؤتمر حتى أمطر قصر معاشيق في عدن بالصواريخ والمسيّرات، في استهداف متعمد للحكومة التي كان أعضاؤها داخل القصر، وربما لمن حضر من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي. ولم يُخفِ نيته في توجيه الرسالة إلى التحالف أيضًا، حين زعم أنه يقصف مقرًا لعمليات التحالف داخل عدن. تصرفٌ أرعن يجعل إنهاء مشروعه من المشهد جزاءً مستحقًا.


الصورة تتكلم


مقاطع للهجمات على المطار، وأخرى لاعتراض الصواريخ والمسيّرات، وثالثة لضرب المخازن في بطون الجبال، بدقة بلغت حدّ تصوير وضعية الاستعداد للإطلاق من داخل الأنفاق، فضلًا عن استهداف منصات الإطلاق والخبراء المشغّلين لها. صورة الضحية تنزع عن المعتدي كل غطاء أخلاقي وقانوني، وصورة الاعتراض والضرب تطمئن الداخل السعودي وتردع الخصم، وتقول له ضمنًا: نراك حيث تظن أنك مختبئ. والصورة المسجلة تُغلق باب الإنكار قبل أن يُفتح.


ولم تبقَ الصورة حبيسة قاعة المؤتمر؛ فقد التقطها الفضاء الرقمي وأعاد إنتاجها. غرّد اللواء المتقاعد أحمد الفيفي: "تسلم يا صقور سلمان، إخوة محمد"، مرفقًا صورة متداولة تصف القوات الجوية السعودية بأنها أول قوة في العالم تعترض صواريخ كروز من الطائرات بصواريخ جو-جو. وهكذا تتحول الصورة من دليل إدانة للخصم إلى مصدر فخر للداخل؛ وجهان لرسالة واحدة.


الرقم بلغة المحاكم


لم يكتفِ التحالف بالقول إن مطار الملك خالد استُهدف، بل فصّل الضحايا يومًا بيوم، حتى العاشر من أكتوبر الذي سقط فيه اثنا عشر قتيلًا وأكثر من ثلاثمئة مصاب. عشرون اعتداءً على مطار واحد في أيام. هذا ملف يُبنى ليُقرأ في المحافل الدولية، لا في نشرات الأخبار.


ساعة الذروة.. والقبلة


أخطر ما قيل: الاستهداف تم "في ساعة ذروة"، وفي المطار أطفال ونساء وذوو همم ومعتمرون. هنا ينتقل الخطاب من وصف الفعل إلى إثبات القصد؛ فمن يختار ساعة الازدحام في مرفق مدني يقتل عمدًا، ولا يملك الحديث عن "أضرار جانبية". ثم يأتي ذكر محاولة استهداف الحرمين ليُسقط آخر أقنعة الشعار: من يدّعي نصرة الأمة لا يصوّب صواريخه نحو قبلتها.


سابقة وأطراف بلا أسماء


وصف الحوثيين بأنهم أول جماعة إرهابية تمتلك صواريخ باليستية ومسيّرات وقوارب سريعة تحذيرٌ للعالم: من يتسامح اليوم مع ميليشيا تملك ترسانة دولة، ولا يردعها قانون ولا ضمير، سيواجه غدًا من يطالب بالمعاملة ذاتها. أما "الأطراف الإقليمية" التي لم تُسمَّ، فالحجة قائمة والتسمية مؤجلة. لقد صاروا معروفين، ومعلوم ما قدّموه بالضبط، والرسالة وصلت؛ وعليهم المراجعة والاعتذار قبل أن تأتي التسمية ومعها الفاتورة.


شهادة يمني


وهنا أكتب بصفتي يمنيًا قبل أن أكون محللًا. حين يسمّي التحالف محطة الصباحة في صنعاء، ومخازن الوقود تحت الأرض، وأرصفة النفط في الحديدة وذمار، ويعلن تدمير 127 مخزنًا في الجبال، فهو يصف ما نعرفه نحن قبل غيرنا: أن الوقود الذي يُحرَم منه المزارع لري أرضه ونقل محصوله، يُخزَّن لإطلاق الصواريخ؛ وأن الجبال التي كانت مدرّجات قمح وبنّ صارت مخازن حرب. اليمني هو أول ضحايا هذه الترسانة، قبل الرياض وبعدها. ومن حوّل مقدرات شعب جائع إلى وقود لمغامراته، يتحمّل وحده تبعة ما يصيبها. وأمنيتي ألا تنتهي هذه الجماعة بضربة من السماء فحسب، بل أن يقف قادتها أحياء أمام قضاء الدولة اليمنية الشرعية، ليسمعوا أسماء ضحاياهم، يمنيين وسعوديين، واحدًا واحدًا. فالعدالة التي تُعلَن في قاعة محكمة أبقى من نصر يُعلن في بيان.


ما بين السطور الأخيرة


1104 صواريخ و1135 مسيّرة تختصر المعادلة: صبر طويل وثّق كل شيء. و"الوقف الفوري" مقرونًا بـ"كافة القدرات" يعني أن مرحلة إقامة الحجة اكتملت. والردع الحقيقي هو الذي يحمي المسافر في الرياض، ويحرّر اليمني في صنعاء من جماعة صادرت دولته ورغيفه وقراره.


على الحوثي أن يقرأ جيدًا، فالرقم قد كُتب والصورة قد سُجّلت. وعلى العالم أن يقرأ أيضًا، فمن يصمت بعد هذا الملف لا يستطيع أن يدّعي غدًا أنه لم يكن يعلم.