الذي لم أفهمه حتى اليوم، كيف أصبح المشهد السياسي بهذا الشكل؟ وكيف وصل الحال ببعض صغار السن والتجربة في العمل السياسي والقيادي إلى التطاول على سياسيين كبار وقادة لهم تاريخهم ومكانتهم وتجاربهم؟
إن هذا الانفلات لم يأتِ من فراغ، بل تقف وراءه، في بعض الحالات، قيادات قدمت الدعم المباشر وشجعت هذه الأصوات، وسمحت لها بتجاوز حدود الاختلاف السياسي والأدبيات المتعارف عليها في التعامل مع القادة والشخصيات السياسية، حتى انقلب السحر على الساحر، وأصبح البعض ممن جرى دعمهم يتمردون على من ساندوهم.
ومن أبرز المصائب التي أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي، أن يتحول شاب قليل الخبرة والتجربة إلى مهاجم لرجال سياسة وقادة كبار، وكأن التاريخ النضالي والسياسي والخبرة الطويلة أصبحت أمورًا لا قيمة لها أمام ضجيج المنشورات والتعليقات.
ليس المقصود أن الكبير فوق النقد، أو أن الصغير لا يحق له إبداء رأيه، فالنقد حق للجميع، والاختلاف ظاهرة صحية في العمل السياسي، لكن المشكلة تكمن في أن يتحول النقد إلى إساءة، والاختلاف إلى تطاول، وحرية التعبير إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والشخصية.
والأخطر من ذلك أن البعض بات ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها معركة لإقصاء الخصوم وتصفية الحسابات، من خلال تشويه صورة الآخر وإبعاده عن المشهد، بدلًا من الاستفادة من الخبرات المتراكمة، وبناء مشروع سياسي يخدم الناس، ويكرّس سياسة التقارب السياسي والإنساني، ويحافظ على ما تبقى من العلاقات الإنسانية والنضالية.
إن صناعة القيادات لا تكون بالتشجيع على الإساءة إلى الآخرين، ولا بمنح الأصوات الصاخبة أكبر من حجمها، بل بالتجربة والكفاءة والمواقف الوطنية واحترام الآخرين.
فالسياسة أخلاق قبل أن تكون مناصب، والقيادة مسؤولية قبل أن تكون نفوذًا، والتاريخ لا يُمحى بمنشور، ولا تُقاس مكانة الرجال بعدد المتابعين والإعجابات.
كتب / سمير الوهابي