أسمِعنا صوتك.. وتعز أولاً

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

عشية العيد الثالث والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، أتقدم بأصدق التهاني إلى فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وإلى إخوانه أعضاء المجلس، ودولة رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وإلى شعبنا اليمني العظيم في الداخل والخارج. وأخص بالتهنئة الأبطال المرابطين في الجبهات، الذين يكتبون اليوم بدمائهم في جبال تعز العز فصلاً جديداً من الكتاب الذي بدأه آباؤهم في جبال ردفان. فمن ردفان أشرق فجر الاستقلال، ومن تعز يشرق فجر اليمن.


تأتي ذكرى أكتوبر هذا العام ولها مذاق مختلف. فالثورة لم تكن حدثاً من الماضي، بل عهداً بأن يبقى اليمن حراً موحداً سيداً على أرضه. ثورة أسقطت المستعمر بالأمس، ومعركة تُسقط الانقلاب اليوم، والعهد واحد: يمنٌ عربيُّ الجذر، جمهوريُّ الروح.


من ردّ الفعل إلى الفعل


لم يكن إعلان عملية «فجر اليمن» قراراً عسكرياً فحسب، بل جواباً على صبر طال، وعلى شعب انتظر أن يرى دولته تبادر بعد أن ظن كثيرون أنها اكتفت بإدارة الأزمة. ولهذا نقولها بلا تردد: نحن مع هذه المعركة وقيادتها ورجالها. فالدولة التي تكتفي بالدفاع تُستنزف ولا تنتصر.


اثنا عشر عاماً لم يربح فيها اليمني شيئاً، وخسر فيها كل شيء إلا كرامته. وكل هدنة مع الحوثي كانت استراحة يعيد فيها التسلح، لا سلاماً للناس. ومن أراد أن يوقف النزيف فليغلق الجرح، لا أن يضع عليه ضماداً كل عام.


حين قال فخامة الرئيس إن «فجر اليمن» وعدٌ بأن هذه الحرب ستنتهي بدولة، لامس أعمق ما في نفوس اليمنيين. وحين صارحهم بأن المعركة قد تشهد تقدماً في جبهة وتعقيداً في أخرى، احترم عقولهم ولم يبعهم أوهام النصر السريع. والقائد الذي يصارح شعبه بالصعوبة، يأتمنه شعبه على النصر.


فالحروب لا تُكسب في خط مستقيم. حاول العدو أن يبسط يده على المخا والساحل وباب المندب، فلما استعادت الدولة الممر البحري وأفقدته ورقة الابتزاز، جُنّ جنونه. فراح يقصف تعز المكتظة بالسكان، مستميتاً في إخضاعها لتكون خزانه البشري نحو الجنوب، فخاب وخسئ، واستبسل الرجال في صده كل مرة. ومن قبلها قصف مطار عدن، وما يزال يستهدف الرياض فيقتل المدنيين. هذا النهج الداعشي سيحوّل كل تراجع، تكتيكياً كان أو ناتجاً عن قصور وسوء إدارة للعمليات والأولويات، إلى نصر دعائي. لكنه يحكم الجغرافيا بالسلاح وقد خسر قلوب اليمنيين، ومن خسر القلوب خسر المعركة ولو بعد حين.


الناس يريدون أن يسمعوك


كانت آخر إطلالة لفخامة الرئيس يوم الأربعاء السابع من أكتوبر، في لقائه بقيادة التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية. ومنذ ذلك الحين خيّم صمت طويل، في أيام تُحسب فيها الساعات. نعلم أن غرفة العمليات أولى من عدسات الكاميرات، ونرجو أن يكون الغياب انهماكاً فيما يسرّنا ويفاجئ عدونا. لكن الفراغ في الحرب لا يبقى فراغاً: إما أن يملأه صوت القائد، وإما أن تملأه الإشاعة.



لقد دعا فخامته بنفسه إلى جبهة إعلامية تواجه التضليل، وأقوى سلاح فيها صوته هو. تكفي كلمة قصيرة كل يومين، أو رسالة مصوّرة للمقاتلين، أو زيارة لجبهة، ولعل ذكرى أكتوبر أنسب منبر لها. فكلمة من القائد تقول للجندي في متراسه وللأم في بيتها: القائد هنا، والخطة ماضية.


تعز أولاً


تعز عقل اليمن وخاصرته. احتضنت ثوار أكتوبر وكانت ظهيراً لتحرير الجنوب، وهي اليوم محاصرة منذ أكثر من عشر سنوات، لا لذنب إلا أنها وقفت سداً أمام جحافل المشروع الإيراني ومنعتها من الزحف نحو جنوبنا الحبيب. تعز التي حمت ظهر الجنوب بالأمس، تنتظر اليوم من يحمي ظهرها.


وتدور المعارك الآن في ريفها الجنوبي ومحيطها الغربي، حيث يمر شريانها الوحيد نحو عدن عبر التربة وهيجة العبد. فالخطر لم يعد في بقاء الحصار، بل في خنق الرئة الأخيرة التي تتنفس منها المدينة.


ولنكن صرحاء: الجبهة التي يُترك إسنادها اليوم ستصبح غداً ثغرة يعبر منها الحوثي إلى بقية الجبهات، ثم إلى الأشقاء في الجوار. وكل يوم انتظار يدفع ثمنه مقاتل في خندقه، وأسرة تحت الحصار. فالتريث هنا ليس حكمة، بل خسارة مؤجلة.


من المكاشفة إلى الشراكة


دعونا في مقال سابق إلى لقاء مكاشفة بين التحالف ومكونات الشرعية، فلقيت الدعوة صدى يبعث على التفاؤل. غير أن المكاشفة بوابة لا غاية، فإن لم تنتهِ إلى عقد شراكة صارت جلسة عتاب.


فالمحاصصة والاستئثار بالمناصب وسوء إدارة الموارد أمراض مزمنة انتقلت عدواها إلى مكونات الشرعية بدرجات متفاوتة. لكن النقد شيء، والتحريض والتنمر على شريك أساسي وعمود من أعمدة الجمهورية شيء آخر. والشراكة لا تعفي أحداً من المساءلة، بل تقتضي التزاماً عملياً بمرجعية الدولة ودستورها وقانونها، لا براءة ذمة لفظية. المطلوب شركاء في الخندق، لا شركاء في المناصب.


والمهم أن ينتهي اللقاء إلى آلية تنفيذية واضحة لعملية «فجر اليمن»، تبدأ بفك حصار تعز وإخراجها من قمقمها نحو التحرير الشامل. ففك الحصار ليس مطلباً محلياً، بل امتحان لجدية الفجر كله.


ونقولها لفخامة الرئيس وقيادة العمليات بوضوح: إن لم يكن تحرير تعز كاملة ممكناً اليوم، فأقل ما ينتظره أهلها أمران. الأول استعادة كل ما أُخذ من ريفها في هذه الجولة، فالفجر لا يرجع ليلاً أبداً. والثاني تأمين طريق تعز–عدن تأميناً نهائياً مهما كلّف ذلك، فلا معنى لأن تتجه العيون إلى صنعاء وتعز تختنق خلف الظهر. ونصرٌ في تعز يُرى بالعين أبلغ من ألف وعد يُسمع بالأذن.


يا قائد فجر اليمن


لستَ وحدك، ولن نتركك. لكن الدعم الحقيقي ليس تصفيقاً بل شراكة. نحمل معك الهمّ، ونطلب في المقابل ثلاثة أمور بسيطة في لفظها، عظيمة في أثرها: أن نسمع صوتك، وأن تكون تعز أولوية لا تقبل التأجيل، وأن توجّه الجبهات الأخرى بالتحرك. فالأصوات من داخلها تقول: لم يأتنا الأمر لننفذ بعد.


في أكتوبر 1963 انطلق الفجر من ردفان، فلم يتوقف حتى رحل آخر جندي محتل. واليوم أطلّ فجر جديد، سيرحل معه بإذن الله خبراء إيران وأذرعها الوافدون من لبنانيين وعراقيين، ومعهم أداتهم الحوثية. والفجر لا يأتي لمن ينتظره، بل لمن يصنعه.


فلا غبتَ يا قائد فجر اليمن، ولا كان لمن يضايقك أو يعيق خططك سبيل، ولا غابت تعز عن خرائط الفجر الذي أعلنته.


وكل عام واليمن حرٌّ، وأكتوبر يتجدد في نفوس أبنائه.