فجر اليمن ليس البحر والساحل وحدهما، وإن دُشّن منهما. فرحنا جميعاً بما تحقق، لأن كل خطوة نحو استعادة الدولة تُفرح كل يمني. لكن لنا على العملية ملاحظات تبدأ من طريقة تقديمها. فقد غرّد جابر محمد، مدير مكتب الفريق أول عبدالرحمن المحرمي، معلناً أن قوات العمالقة الجنوبية نفذت عملية حاسمة في ذوباب، "بقيادة مباشرة" من المحرمي بصفته "القائد العام للقوات المسلحة الجنوبية"، وبدعم من التحالف، فسيطرت على مطار ذوباب، وقطعت الخط بين المخا وباب المندب، وأطبقت الحصار على باب المندب تمهيداً لتحريره.
إنجاز نباركه بلا تردد. لكن اللافت أن البيان لم يذكر "فجر اليمن"، ولا إعلان رئيس مجلس القيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي سبقه، فبدت العملية كأنها منفصلة، لها قيادتها وعنوانها وحساباتها. وليست المسألة شكلية: فحين تُقدَّم المعارك جزراً منفصلة، يتحول الهدف الوطني الجامع إلى مظلة تُغطّي عمليات فرعية، بدل أن تكون العمليات الفرعية خطوات في طريقه. لا نعترض على التنفيذ، بل ندعو إلى أن يُقرأ ويُدار ويُعلن في إطار المعركة الواسعة لا خارجها.
الظهر المكشوف
التثبيت في الساحل يتطلب حماية الظهر، والظهر لا يزال مكشوفاً. الحوثي يعبث بريف تعز، يتحرك بحرية، وينقل مقاتليه بين الجبهات كما يشاء، والاستغاثات لا تُلبّى. المدينة تحت حصار مطبق منذ سنوات، ولا يلوح استعداد جاد لفكه أو لتحرير بقية المديريات، بل إن المحرر نفسه صار رهينة للقنص والقصف والطرق المقطوعة: محرر على الخرائط، محاصر على الأرض.
وبينما أكتب، وردني من قرية عناقب في عزلتي، البريهة بجبل حبشي، أن الميليشيا أخذت أطفالاً إلى جهات مجهولة، وتهدد أسر المنتسبين إلى الجيش بتفجير منازلهم ما لم يُحضروا أبناءهم. هذا هو الظهر المكشوف بالأسماء والوقائع، لا بالتحليل.
السؤال الاستراتيجي
هل فجر اليمن، كما أُعلن، هو الذي يسود؟ أم أن الإنجاز الجزئي هو السائد، لفرقعة إعلامية وسياسية تُستهلك ثم تخبو؟
القاعدة معروفة: حين تتجه كل الإمكانات نحو الهدف الاستراتيجي، تتحقق الأهداف الفرعية في الطريق حكماً. وحين تتبعثر القوة، لا الكبير يتحقق ولا الصغير يثبت. وهذا ما يستوجب مراجعة عاجلة، خصوصاً في تعز: محوراً عسكرياً، وقيادة، ودعماً من التحالف.
تعز.. المستهدفة في رمزيتها
معركة الحوثي مع تعز ليست على الجغرافيا وحدها، بل على إهانتها وكسر رموزها المادية والمعنوية والحزبية والمدنية والديمقراطية. وليس أدل على ذلك من التقاطه صوراً تذكارية في منزلي رئيس مجلس النواب الشيخ سلطان البركاني ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي؛ رسالة صغيرة في هدفها العسكري، كبيرة في مقصدها السياسي: نحن نصل، ونحن نُهين. فتعز عنده القاعدة الراسخة للمشروع الجمهوري المدني، وإذلالها إذلال لفكرة الدولة نفسها.
ومن هنا سؤال نريد أن تأتي إجابته على الأرض بعكسه: هل يتقاطع توجه الحوثي هذا، بقصد أو بغير قصد، مع حسابات من يرون في بقاء تعز محاصرة منهكة مصلحة لهم؟ لا نطرحه اتهاماً، بل لأن الصمت عن تعز يجعله مشروعاً، والرد المقنع الوحيد هو الفعل لا البيانات.
المطلوب للخروج من المراوحة
1. وحدة الهدف والمعركة: الفجر لا يتجزأ. الساحل بلا تعز مكشوف، وتعز بلا الساحل محاصرة، وعدن نفسها تبقى في مرمى الخطر ما دام الحوثي ممسكاً بتعز. المطلوب خطة عمليات واحدة تحت عنوان وطني واحد.
2. حماية الظهر أولاً: تأمين ريف تعز وقطع خطوط تنقل الحوثي بين الجبهات شرط لتثبيت أي مكسب، لا مهمة مؤجلة.
3. فك الحصار أولوية لا ملحق: تحرير بقية المديريات وفتح الطرق هدف معلن بجدول زمني، لا وعد مفتوح.
4. مراجعة محور تعز بجرأة: قيادةً وتنظيماً وتسليحاً ورواتب وجاهزية، بمعيار الكفاءة لا الولاء، مع محاسبة على التقصير.
5. دعم تعز بحجم مكانتها: دعم نوعي منتظم من التحالف يوازي ثقلها السكاني والرمزي، ويقطع الطريق على أي قراءة بأنها مستثناة.
6. غرفة عمليات مشتركة فعلية: تنسيق حقيقي بين الساحل وتعز والمقاومة الشعبية، حتى لا ينفرد الحوثي بكل جبهة على حدة.
7. معركة الوعي قبل السلاح: في منطقة متعلمة ومنفتحة على وسائل التواصل قلّ نظيرها، يملأ الشائعةُ كل فراغ. المطلوب خطاب رسمي شفاف، وإحاطات صحفية يومية، وناطق يحترم عقول الناس.
8. خطة ردع معلنة لحماية الرموز: حماية رموز تعز ومؤسساتها جزء من المعركة، ورد الاعتبار لها مسؤولية الجميع. ولا يجوز التشفي أو تداول أي إهانة يقصدها الحوثي، فمن يعيد نشرها وهو يعلم مقصدها يؤدي له المهمة مجاناً.
الخلاصة
المراوحة والتردد لا يخدمان إلا الحوثي. فإما أن يكون فجر اليمن فجراً لليمن كله وتعز في قلبه، وإما أن يبقى إنجازاً جزئياً ينتظر من يحمي ظهره. والإجابة لن تقنع أحداً في بيان، بل حين يراها الناس طريقاً مفتوحاً وحصاراً مكسوراً.
فأيُّ فجرٍ هذا الذي يُشرق على الساحل، وتعز لا تزال تعيش غروبها الطويل؟ أطفالٌ يُقتادون إلى المجهول، وبيوتٌ مهددة بالتفجير، ورموزٌ تُستباح للصور التذكارية، ومدينةٌ محاصرة تنتظر منذ سنوات! أفجرٌ هو حقاً، إن ظلت تعز في الظلام؟